25 يناير، 2012

مرايا قاتمة: في ما بدر من...... بدر..


يحكى في هذه الربوع من بلاد الفترة عن مجموعة من القردة أنها كانت تتعهد مكانا خصبا لعدة سنوات.. حتى كانت سنة أجدب فيها المكان و لم تعد القردة تجد ما تسد به رمقها... فاتفق رأيها على أن ترسل رائدا يبحث لها عن مكان آخر تنتجعه
.. فانتدبوا كبيرهم لتلك المهمة.. خرج القرد المجرب عند الصباح و قضى بعض الوقت و هو يتجول في البلدان... لقد مر بسهوب و جبال و أودية... و ها هو يصل بعد صلاة الظهر إلى واد كثير الماء و النبات.. فالنبق يتدلى من كل جانب و شجر الموز بدأ يثمر و قد وقفت أشجار الدوم العملاقة وهي ترخي بثمارها الحمضية على جنبات الوادي و هنالك أشجار النبع و الغضى و الطلح و العلندى و القتاد و السرح...
وقف القرد ينظر إلى ذلك الخصب.. لا بد أن يكون لهذه النعمة من منغص.. انتظر حتى المساء.. فلم ير شيئا.. قفز إلى قمة إحدى الأشجار و قضى ليلته هناك.. و عند الصباح استيقظ.. و بقي في مكانه.. و فجأة إذا هو برجل يحمل فأسا على كتفة .. إنه قاطع الأشجار أو ناخر الخشب أو الفحام... لا شك أنه جاء من مكان قريب.. بقي ينتظر.. قطع الرجل بعض الأشجار, و أخذ جذوعها و ذهب يحملها على كتفيه.. اقتفى القرد أثره من بعيد.. حتى وصل القرية.. في هذه القرية يوجد ملك و له ابن وحيد و للابن جدي صغير قد دجنه  و ألفه.. لا شك أنه ليس هنالك من منغص غير هذا.. عاد القرد إلى قومه و أخبرهم بما رأى.. ثم قال لهم: " أما أنا و من يرى رأيي فإننا لا نذهب إلى ذلك الوادي.." خرجت القرود جماعات و وحدانا فوجدت الخصب.. و بدأت تنسى أو تتناسى كلام القرد العجوز..
و في أحد الأيام جرت حادثة في القرية المجاورة للوادي: لقد كان ابن الملك نائما. و كان بقربه إناء فيه ماء يغلي فقفز الجدي على الإناء و أراقه على الطفل.. احترق جسمه بالكامل.. أحضر الأطباء.. قدموا وصفاتهم المختلفة.. أحضر كل ذلك و ما زالت حروق ابن الملك كما هي.. جاء طبيب آخر لم يجد شيئا.. و أخيرا جاء طبيب جديد, فقال: " لا بد لهذه الحروق من مادة تطلى بها, و أحسن ما يكون ذلك بدماغ القرد.. فلا بد من قتل كثير من القرود..".
أحضر الملك الأدلاء و الخريتين و الصيادين و الرعاة.. أيهم يدل على مكان توجد فيه القرود.. قاطع الأشجار يعرف مكان الوادي الذي أصبح مأهولا بالقرود .. و لكن القرد العجوز بقي و هو يبيت على الطوى و يظل حتى يخصب واديه قابل.. إن قدر خصب....
                                                                                                                                  شفيق البدوي.  

ليست هناك تعليقات: