4 فبراير، 2012

مرايا قاتمة: في الانتفاضة السنغالية:



يحكى في ربوع ( المانغو ) و ( الباؤباب ) و السمك و الفول السوداني و البقر ذي الروق الطويل, و ربوع ( الكولا ) و القار و البخور... و هي بلاد تمثال الجنرال فيديرب و ليوبورد سيدار سنغور و... و الزنجية و جزيرة ( كوري ) حيث صفد مواطنون من بني جلدتنا و بني جلدتهم.. بالسلاسل و الأغلال.. ليباعوا في الأسواق الغربية بيع الكباش.... تلك الجزيرة التي تبقى شاهدا حيا على زيف شعار حقوق الإنسان التي يلوح بها (غزاة) أرض العم سام..
في تلك البلاد التي هي من جهة أخرى بلاد أميرة الوالو و قنطرة أهل محمد لحبيب... يحكى, إذا, في هذه البلاد عن أحد شيوخ  (الصوصو) أو (السيرير) أو (الولوف) أو ( التكرور).... أنه كان في صغره مولعا بقضم ثمرة الكولا, عندما كانت أسنانه البيضاء تنغرس بكل نغم في لثات أسف عليها بالإثمد... و كانت أضراسه المحمرة لكثرة ما قضم عليها من هذه الثمرة عديمة الرائحة مريرة الطعم صلبة العود... حتى صارت جزءا من تضاريس فمه ذي الشفتين الكبيرتين الغليظتين تكاد علياهما تلامس أنفه الأفطس و تكاد سفلاهما تقسم نصفين بفعل الفلح الذي نشأ معهما, و تكاد تبيض بفعل البرص من تأثير الحوامض و عظام جماجم السمك.... قضم الرجل الكولا في صغره و في شبابه و في كهولته.... و ها هو في شيخوخته و لم يبق من طاقم الأسنان الطبيعي إلا نتوءات بلون الشكولاطه, تارة, و بلون الفحم تارة أخرى... لم تعد هذه النتوءات قادرة على القضم و لم عضلات الشفاه قادرة على المص... بيد أن الكولا ما زالت موجودة,  فقدر الماء الذي وضعه في شقته منذ سنوات و ما يحتفظ به من رطوبة لم يعد يساعده على تذليل هذه الفاكهة الغريبة...

يخرج الشيخ من بيته في الصباح و هو يتوكأ على عصا النبع الحمراء الطويلة ذات الرأس المعكوف مثل حرف النون أو علامة الاستفهام.. كل سكان الحارة يحيونه بكلمة ( تيورنو )... فيمر ببائع الكولا و يفك صرة النقود بيده المرتعشة و يأخذ قطعة نقدية يمدها إليه بدون مماكسة, و يبدأ رحلة الانتقاء داخل حبات الكولا, لمسا بالأنامل و استعراضا للألوان البهية, إن لم تخنه النظارات الزجاجية السميكة التي وضعها منذ الصباح الباكر على عينيه, و إن خانته فلن تخنه حاسة الشم بمنخريه العظيمين, فقد تكون هذه الحاسة من أشد الحواس الخمس صمودا أمام عاديات الزمن... لا يهم تيرنو عدم ارتياح الزبناء لهذه الممارسة, و إنما يهمه انتقاء حبة الكولا الناعمة الطرية... قد يظن من يرى ذلك أنه سيرفعها إلى فمه, غير أن الأمر ليس كذلك.. فهو يتوجه فورا إلى منزله, و قبل أن يلج الباب يعرج قليلا على مجموعة من الأطفال تلعب كرة القدم تحت شمس إفريقية حارقة... فينادي أحدهم بصوته الأجش الخشن, قائلا: " ايه بوي كاي افي...( أيها الولد تعال هنا ) " و يأتي الولد فيمد إليه الكولا, و يبقى هنيهة ينظر إليه و كله مسامع إلى صوت أسنان الولد و هو يقضم الكولا بأسنان ستتحول يوما ما إلى نتوءات سوداء بعد أن كانت بيضاء براقة....
                                                                                                                         شفيق البدوي.   

ليست هناك تعليقات: