24 أبريل، 2012

نقلا عن موقع الأستاذ إشدو ننشر في ما يلي إحدى مرافعاته.....



 سيدي الرئيس،
السادة أعضاء المحكمة الموقرة،
من بديهيات فن التآمر، توجهكل نشاط تخريبي غايتُه النيلُ من هيبة دولةما، وزعزعةُ أمنها واستقرارها وسيادتها، إلى استهداف القومية، أو المجموعة، الكبرى فيها. لأنها الركيزة، والأساس الثابت، والركن المنيع، وشرط البقاء. شئنا أم أبينا. فالقلاع لا تهدم إلا من داخلها بدءا بالأساس. وهذا أمر مفروغ منه طبعا. ولكن الخصوصية التي تميز الوضع الموريتاني الراهن هي تزامن استفحال الموجة الجديدة من حملة الكراهية العنصرية والشيطنة التي يقودها وينظمها صيادو العبيد ضد البيظان، مع صمود وصعود حركة التحرر الوطني في موريتانيا، وتبلور سياسة الإصلاح وتقليص الهيمنة الأمريكية والاختراق الصهيوني التي تتّبِعها الحكومة الموريتانية. الأمر الذي جعل جميع الذين يحنون إلى عهد هيمنة السفارات والباكين على نعيم الفساد الآفل يتردون في وحل تلك الموجة ويترافعون أعلامها السوداء هنا وهناك..

 "لأمر ما جدع قُصير أنفه"!! وفي هذه الحالة، لا تكون مكافأة المتآمرين بالتعامي والصفح هي الأمثل في الغالب، بل لن تزيدهم إلا ضلالا؛ وهي من باب وضع الشيء في غير محله:    
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا           مضر كوضع السيف في موضع الندى    
إن لم تكن من باب آخر! 
سيدي الرئيس،
السادة أعضاء المحكمة الموقرة،
لقد ظـُلِمَ البيظان وأوذوا، واعتدي على كرامتهم ووحدتهم عدوانا كبيرا مبيتا وممنهجا ومتواصلا من طرف بيظان! ويقول الشاعر:
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة     على النفس من وقع الحسام المهند
ولقد علمتم أن الله عز وجل، وهو الحكيم الخبير، أذِنَ للذين ظـُلِموا والذين اعتدي عليهم، بالجهر بالسوء من القول ومواجهة العدوان بالعدوان! ومع ذلك فسيكتفي الدفاع في هذا المقام بقذف الحق على باطل المعتدين، والذود عن كرامة ووحدة المظلومين؛ وإنتطلب ذلك شيئا من تزكية النفس التي تعافها طباعنا ومنظومتنا الأخلاقية الصارمة. وشفيعنا في ذلك قول شيخنا الشيخ محمدو حامد ولد آلاّ:
أنّى وتزكية الكريم لنفسه      دلت مطابقة على إغضابه
لذلك نرى ضرورة تنبيه الغافلين من مختلف المشارب والمذاهب على حقائق أساسية من أبرزها ما يلي:
1. أن البيظان (Les Maures)الذين لا ينتمي مجتمعهم العريق إلى عرق أو لون، وإنما  أواصرهم اللغة والدين والثقافة والتاريخ والوطن، ليسوا نكرة ولا دخلاء في هذه الأرض. بل تمتد جذورهم فيها آلاف السنين. إنهم من هزم أجدادُهم الرومانَ والوندالَ في إفريقية فجرَ التاريخ المسيحي (موريتانيا عبر التاريخ البشري للدكتور حبيب الله ولد عبدو ص 64) وهم مشيدو حضارتي أوداغست وغانا. وهم "لما أسلموا" المرابطون في دين الله، وبناة مراكش، يقول فيها مَثَلُهم: "اَلّ ڮَدْ اَعْلَ مراكش يبنيها"! كما أنهم هم حماة ومجددو الحضارة العربية الإسلامية في أوروبا، يوم استنجدت بهم الأندلس، فنصروها وهزموا جيوش الصليبيين في معركة الزلاقة المجيدة، فوهبوا الدولة الإسلامية في إسبانيا عمرا على عمرها كان مقداره مائتين وخمسين سنة مما تعدون. وهم بفطرتهم أيضا أسود الوغى التي لا تنثني، وثعالب الصحراء التي لا تني. إنهم كما وصفهم الأمير هنون لعبيدي:
عِشْنَــا أمِتْنَــا افْلِهْـــوَالَ     ما يِنْعِينَــا حَـدْ مَا نِنْعُـــوهْ
الْعَاعِيڮْ انْثَڮْبُو الشِّعَّالَ   أنِطْفُ حَطْبْ الشَّرْ وٍانْحَايُوهْ
 وكما أخبر عنهم الشاعر الملحمي سدوم ولد انچرتو مجسدا مقولة بعضهم الخالدة "الِّ استراح ألاّ حَدْ أغلبناه، اما حَدْ أغلبنا ما استراح":
… والخيلْ إلَى غَلْبِتْ تِزْيَانْ    وإيلا مَا غَلْبِتْ لا يِشْڮِيكْ   
إتَـْم اعْيَـاطْ الْخَـوْفْ اڮْـرَانْ     وامْخَالِيــقْ الله فِــيَّ فِيــكْ
أصلهم ثابت كنخلهم، وفرعهم في السماء!
2. والبيظان الذين عمروا هذه الأرض مع غيرهم وتفاعلوا فيها عبر الحقب مع شتى المجتمعات التي سكنتها عموما، ومع السودان (لكور) خصوصا، نمت بينهم وبين السودان أواصر التفاهم والانسجام والتكاتف والتكافل والتكامل، ونسجوا معهم أسباب التعايش، وتقاسموا السراء والضراء، واتحدوا في وجه الغزاة والطامعين، وتصدوا للخطوب والكوارث الطبيعية. وقد أشار إلى ذلك – بتواضع منقطع النظير- الأستاذ المختار ولد داداه فقال: "ويمكن القول اعتمادا على نتائج أحدث ما يتوفر من بحوث، إن الوجود البشري في المنطقة التي تشكل المجال الجغرافي لموريتانيا حاليا يعود إلى 700000 سنة على الأقل. وقد استقرت في هذا البلد مجتمعات مختلفة قدمت من إفريقيا المدارية، ومجتمعات جاءت من منطقة النيل، وأخرى من شمال إفريقيا.. ومنذ ذلك التاريخ أنشأت المجموعتان السوداء والبيضاء حضارات عدة - متزامنة أو متعاقبة- في هذا المجال الجغرافي، وكان على هاتين المجموعتين أن تعيشا فترات حرب تارة وفترات تعايش سلمي تارة أخرى؛ بيد أنهما في كلتا الحالتين ظلتا تتعايشان في هذا الفضاء عبر التاريخ. وهكذا أسهمت موريتانيا ـ كليا أو جزئيا ـ في الإمبراطوريات التي احتضنتها الهوامش الجنوبية للصحراء الكبرى المعروفة اليوم بمنطقة الساحل خلال فترات تاريخية متعددة مثل امبراطورية التكرور (القرن 8 م) وإمبراطورية غانا (منذ القرن 8 م) وإمبراطورية المرابطين (القرن الحادي عشر الميلادي) وإمبراطورية مالي (القرنان 12 ـ 14م) وإمبراطورية سونغاي (القرن 16) ..الخ. وإذا كانت الحدود الخارجية للفضاء الجغرافي الموريتاني قد عرفت تغييرات، فإن الجزء الأكبر من هذا الفضاء ظل ثابتا. وقد ظهر في هذه المنطقة خلال القرن العاشر عامل ذو أهمية بالغة فيما يخص التقارب بين السكان غدا لحمة لنسيج الوحدة بينهم؛ ألا وهو الإسلام الذي صار – وسيظل- الديانة المشتركة التي تعزز الترابط بين جميع سكان موريتانيا. وهكذا فإن موريتانيا ذات الأصلين ليست وليدة اليوم. وسأورد هنا صورة بديعة استخدمها بحضرتي أحد شيوخنا الحكماء في زمن مضى أراها تلخص هذا الواقع، يقول الشيخ: إن موريتانيا بسكانها السود والبيض شبيهة بالعين، والعين لا تؤدي وظائفها على ما يرام إلا إذا سلم سوادها وبياضها، ثم إن سواد العين وبياضها عنصران متلازمان لا يتأتى فصلهما ولا ينبغي التفريق بينهما بحال من الأحوال" (موريتانيا على درب التحديات، ص 149 و150).
3. والبيظان بمختلف أطيافهم وألوانهم وفئاتهم الاجتماعية، هم من أرسوا منارة الهدى في صحرائهم الشاسعة، وحملوا رسالة التوحيد والضاد إلى الأمم الوثنية في إفريقيا؛ واتخذوا ظهور العيس مدرسة غمر إشعاعها مختلف الأرجاء، فأصبحوا - بذلك-  الشعب البدوي العالم الوحيد في الدنيا، وأساتذة وهداة أينما حلوا وارتحلوا.
 ذلك ما سطره وبينه الشيخ المختار ولد بونه، فلم تكذبه شواهد الامتحان، حين قال:
ونحن ركب من الأشراف منتظـم    أجلُّ ذا العصر قدرا دون أدنانا
قد اتخذنـا ظهـور العيس مدرسـة    فيهــا نبيــن ديـــــــن الله تبيانــا
أما الرجال فزنهم بالخطـــوب ولا   تقـم لنـا العيـن دون الفعل ميزانا.
وهو ما جسدته ونشرته ووطدته قِيَما وثوابتَ مواكبُ المؤسسين من علماء وحكماء وزعماء وأدباء وشعراء وغيرهم، أمثال اليحيَيَيْن (يحيى بن إبراهيم ويحيى بن عمر) وابن ياسين والحضرمي وأبي بكر بن عمر، وابن تاشفين والأقيتيين (محمود، أحمد المسك، وأحمد باب التيمبكتي.. الخ) وناصر الدين، وبكار الغول ولد اعلي ولد عبد الله، وهنون لعبيدي، والإمام المجذوب، والفاضلي بن أبي الفاضلي، وأتفغ مينحنِ ولد مودِ مالك، والقاضي ولد اعلي ممو، ومسكه ولد باركلله، واعلي شنظوره، وهيبة ولد نغماش، وسيدي عبد الله ولد رازڮه، ومحمد ولد المختار ولد سعيد (اليدالي) وعبد الله ولد الحاج حماه الله، ولمجيدري ولد حبلله، وعثمان ولد لفظيل، والمختار بن بونه، والشيخ سيد المختار بن أحمد بن حبيب الله، وعبد الله ولد سيدي محمود، والشريف سيدي محمد الصعيدي، وهنون ولد بُسيف، وسيد أحمد ولد المختار، وسيد أحمد ولد امحمد ولد اللب، واعلي النبيط ولد حيب الله، وسيد أحمد ولد آوليل، وسدوم ولد انچرتو، ومحمد محمود ولد آفَ، وخطري ولد أعمر ولد اعلي، واحميدتي ولد أعمر، وامحمد ولد امحمد شين، والشيخ سيدي عبد الله بن الحاج إبراهيم، وحبيب الله ولد القاضي، وغالي ولد المختار فال، والشيخ محمد الحافظ بن المختار ولد حبيب، واعلي ولد مانُ، وسيدي مولود فال ولد محمذ فال، وأحمد ولد المصطفى ابن اطوير الجنة، وأحمد ولد العاقل، ومحمد لحبيب ولد أعمر ولد المختار، وامحمد ولد الطلبه، وصالح ولد عبد الوهاب، ومحنض باب ولد اعبيد، وأحمد ولد امحمد، والشيخ محمد المامي ولد البخاري، والشيخ سيديا ولد المختار ولد الهيبه، والشيخ محمد فاضل ولد مامين، والشيخ محمذ فال ولد متالي، ومحمد ولد هدار، وسيدي محمد ولد حبت، ومحمدو ولد سالم، والشيخ محمدو ولد حنبل، ومحمد يحي الولاتي، ومحمد يحي ولد سليمة، والشيخ ماء العينين ولد الشيخ محمد فاضل، وبكار ولد اسويد أحمد، ومحمد محمود وأحمد محمود ابني لمحيميد، ومحمد محمود ابن اتلاميد، وأبناء ما يابه (محمد الخضر، محمد حبيب الله، محمد العاقب) والشيخ آبه ولد اخطور والبيضاوي باشا..
و"الرحب" ضاق "بجلهم" فحذفته     ولربما حذف الذي لم يجهل
4. والبيظان بمختلف أطيافهم وألوانهم وفئاتهم الاجتماعية، هم من رفعوا راية الحرية وحقوق الإنسان في وطنهم وفي إفريقيا، وقاتلوا بالسيف والقلم ضد تجارة الرقيق (la traite des nègres)يوم كانت العبودية بأبشع وأوسع أشكالها وألوانها تنخر جسم إفريقيا وتفرغها من شبابها لتُبنى على أكتافهم نهضة الغرب العبودي المنحط يومئذ. ذلك ما كان شرعه، وبينـه، قبل الثورتين الفرنسية والأمريكية بنحو قرنين من الزمن، الشيخ أحمد بابا بن محمد أقّيت التيمبكتي الماسني الصنـهاجي المسوفي (ولد عام 963 هـ 1556م، توفي سنة 1036 هـ 1627 م) في كتابـه "معراج الصعود إلى نيل حكم مجلوب السود" وهو ما روى أيضا الشيخ والد ولد خالنا عن شيخه الأمين ولد ماحي ولد الحسن دوبك أنـه مذهب الإمام ناصر الدين (توفي 1084 هـ 1674م) حين قال عن ثورتـه: "إنما قاتلهم لاسترقاقهم الأحرار"! وشهد شاهد من أهلها حين أكد ذلك شامبونو (Chambonneau)في نصيه (Deux textes)عن تاريخ حركة التوبة (Histoire de Toubenan)فذكر أن شرط ناصر الدين الأول للصلح، أثناء مفاوضات الصلح التي جرت بين البعثة التجارية الفرنسية في سان لويس وبين منير الدين أخي ناصر الدين وسفيره، كان إنهاء تجارة الرقيق! "وهو شرط لا يمكن قبوله"! يقول شامبونو الذي يستشهد في ذلك بقول ناصر الدين: "إن الله حرّم على من يلي أمور الناس نـهب أموالهم وسفك دمائهم واسترقاق رقابهم. وإنما أوجب عليه رعايتـهم وحمايتـهم من كل الآفات. إن الله سخر أولي الأمر للناس ولم يسخر الناس لأولي الأمر". «Dieu ne permet point aux roys de piller, tuer ni faire captifs leurs peuples, qu’il les a au contraire pour les maintenir et garder de leurs ennemis, les peuples n’étant point faits pour les roys, mais les roys pour les peuples. »
"ولهذه الأسباب كلها في النـهاية ـ يقول ببكر باري معلقا في كتابه مملكة والوـ ظلت البعثة الفرنسية في سان لويس تتحين ظهور أدنى خلل في حركة ناصر الدين كي تتمكن من التدخل والقضاء على تلك القوة الجديدة التي كان يخشى أن تلحق الضرر بتجارتها، وقد سنحت تلك الفرصة في مطلع عام 1674 حين قتل ناصر الدين القائد الروحي ورأس حربة حركة الزوايا في ساحة المعركة" .
كما يقول أيضا مؤكدا تلك الحقائق: « Les maures qui étaient les maîtres absolus dans le pays de Barak, au pardessus du roi Yarim Kodié lui avaient défendu la traite… » « De Muchins, voyant en effet qu’il était dans l’impossibilité de faire la traite pour cette année 1674, prit la résolution d’éliminer les marabouts par les armes. »
"إن البيظان (يردف ببكر باري) الذين كانوا سادة مملكة والو بصورة مطلقة، والمسيطرين على الملك ياريم كوديي، كانوا قد حرّموا عليه المتاجرة بالرقيق..." "ولما رأى دي موشين (ممثل السلطة الفرنسية في سان لويس) أنـه أصبح من المستحيل عليه اقتناء الرقيق تلك السنة (1674) نتيجة لذلك؛ عندها عقد العزم على تصفية حركة الزوايا بقوة السلاح" (بوبكر باري "مملكة والو" ـ كارتالا، ص 116).
5. والبيظان بمختلف أطيافهم وألوانهم وفئاتهم الاجتماعية، هم من قاوموا الاستعمار الفرنسي في العصر الحديث، وحموا الذمار، ودكوا حصون وقلاع المستعمرين وأعوانهم في سان لويس، وألاك وتجڮجه وانييملان وأڮجوجت وتشيت ولڮويشيشي والمينان وغيرها. وقد تم تسجيل أيام مقاومتهم الخالدة في التاريخ من طرف العدو قبل الصديق.. وظلت جيوش الإدارة الاستعمارية الفرنسية - رغم تفوقها الشامل- عاجزة خلال فترة وجودها في السنغال، وحتى بعد توغلها في "اتراب البيظان" عن إخماد نار المقاومة والرفض المسلحين إلى غاية منتصف الثلاثينيات. أما المقاومة الثقافية والمقاطعة الاجتماعية للنفوذ الأجنبي مهما كان نوعه ومصدره فلا تزال مستمرة ومستعرة إلى يومنا هذا (انظروا مؤلفات المستعمرين والمستكشفين من أمثال "التوغل في موريتانيا" للنقيب جيلييه.  
6. والبيظان بمختلف أطيافهم وألوانهم وفئاتهم الاجتماعية، هم من وحّدوا جميع مكونات الوطن الموريتاني في سبيل تحقيق الاستقلال، وقادوا ملحمة بناء الدولة الوطنية ووضْع قواعدها الثابتة ورفْع صرحها عاليا خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. وقد لخص قائد تلك الملحمة الرئيس المختار ولد داداه - رحمه الله- تلك اللحظة التاريخية المجيدة بمنتهى الصدق والتواضع في كتابه "موريتانيا على درب التحديات" فقال: "20 مايو 1957 ... لقد كان هذا التاريخ بداية فترة غير عادية لدي، لقد كان علي خلال العشرين سنة التالية أن أقود وأنسق الجهود الرامية إلى إنشاء الدولة ـ الأمة الموريتانية وإرساء دعائمها. نعم أقول إنني كنت أقود وأنسق الجهود ... وهذا يعني، كملاحظة أولى، أن بناء وطني لم يكن عملا شخصيا فقط، لقد كان ـ على العكس من ذلك تماما ـ عملا جماعيا أدته الأغلبية العظمى من الشعب الموريتاني، وشاركت فيه مختلف الفرق القيادية التي تعاقبت على تولي السلطة معي خلال عقدين من الزمن ... وقد كانت هذه الفترة فترة تطلع وحماس لأنها فترة بناء الوطن الموريتاني، وهي في الوقت ذاته فترة المتاعب بالنظر إلى جسامة الصعوبات التي تكتنف مثل هذا المشروع وتعددها" (موريتانيا على درب التحديات ص 150).
وإذا كان من المؤكد أن كافة المكونات الوطنية حسب اختلاف أدوارها ومواقعها كانت في الصورة كما بين ذلك بصدق ووفاء ذلك الرجل العظيم. فإن من المؤكد كذلك أن قاطرة الزحف كانت يومئذ رجالا (معظمهم من البيظان) صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
7. والبيظان بمختلف أطيافهم وألوانهم وفئاتهم الاجتماعية، هم الذين في فجر الاستقلال ـ ورغم صعوبة وتعقيد الظروف التي اكتنفت قيام الدولة الموريتانية ـ كان لهم كذلك شرف القيام بدور حاسم في تصفية الرق وتحقيق الحرية والمساواة بين الموريتانيين، لينتقل مجتمعهم من الانحطاط إلى صفوف الأمم الراقية المتمدنة. إذ بفضل طلائع معظمها من البيظان أخذت إرادة الاستقلال تنمو وتكبر في البلاد؛ وظل الحديث عن تصفية الرق حاضرا في عمل الحكومة الموريتانية (انظروا تعميمات الحكومة في هذا المجال في سنتي 66 و69 ـ أزمة الحكم في موريتانيا ص222 وما بعدها) وموضوع بحث مشهود بين الدولة والعلماء، وبين العلماء أنفسهم، في مؤتمرهم الذي كان دوريا في سني الاستقلال الأولى في نواكشوط! وفي تلك الأثناءأيضا دخلت ساحة الوغى قوى جديدة تمتلك مفاهيم سياسية واجتماعية جديدة، وتبتكر أساليب جديدة، وتتوق إلى عوالم لا حدود لها. فالشباب الريفي المحظري الذي اقتحم ميدان النضال ضد الاستعمار الجديد، والتـهميش، والاضطهاد، والتخلف، وسعى إلى جَلْيِ الهوية الوطنية والقومية، وإعادة الاعتبار إلى اللغة العربية، سرعان ما أدرك، في انسجام بديع مع شباب المدارس والجامعات الناشئ، مدى الترابط والتحالف الوثيق القائم بين القوى الاستعمارية والرجعية، وأن لا مجال لنهوض وتكاتف وتحرر المجتمع ما دامت أجزاء منـه حيوانا أو كالحيوان، وأخرى مهمشة لأسباب ما أنزل الله بها من سلطان، وأن الظلم الذي يعانيه الإنسان الرقيق هو أبشع وأفظع أنواع الظلم على الإطلاق. فارتبط عندهم من ذلك الحين – بوعي - النضال من أجل حرية الوطن بالنضال من أجل تحرير المواطن وتوطيد الوحدة الوطنية.ولم يكن يوجد يومئذ حر سوى أحرار موريتانيا الذين كافحوا ليل نهار من أجل إلغاء العبودية، وتصفية آثارها، وترسيخ الحرية والمساواة، وقد تم لهم ذلك يومئذ.
وكان من بينهم سيدي محمد ولد سميدع وأحمد ولد الزين ويبه ولد الشيخ البناني والتلميدي ولد سيدينا ولد الحاج ابراهيم وأخوه صيدوفه وعبد القادر ولد أحمد ومحمد شين ولد محمادو وباه عثمان (رحمهم الله) والمصطفى ولد اعبيد الرحمن والطالب محمد ولد لمرابط، والدكتور سيدات وبدن ولد عابدين وعبد القادر ولد حماد والمصطفى ولد بدر الدين ومحمدو الناجي ومحمد الحسن ولد لبات ويبه ولد البشير ومريم بنت لحويج والسالكه بنت اسنيد وحمود ولد إسماعيل وإبراهيم السالم ولد بو اعليبه ومحمذن ولد باڮا واعلي ولد ببوط وأحمد ولد خباه وأحمد سالم ولد التا ولادجي تراورى ودافا بكاري وببكر ولد مسعود ومالكيف والمفيد ابني الحسن والحسن ولد الطالب.. وغيرهم. لكن كان من بينهم أيضا محمد محمود ولد برام (ابوف) رحمه الله، واسلاكه ولد محمد وسيد أحمد فال ولد سلمان ومحمود رياض ولد سالم وأحمد ولد افكينيش، والفضيلة بنت امبارك والبارة بنت عبد الله وسلمها بنت عبد المولى.. وغيرهم. وتنتمي أغلبية أولئك الرواد الساحقة إلى عائلات كبيرة محافظة في معظمها؛ لكنهم "خانوا" وسطهم الاجتماعي، واعتنقوا مبادئ الحرية والمساواة. وكان يسود خلال تمردهم جو رائع من التسامح والحرية فرضتـه طبيعة المجتمع من جهة، ومرونتهم وحيويتهم واستعدادهم للقيام بجميع ما يخدم مثلهم الفاضلة من جهة أخرى: صارعوا بعض مدارس الصوفية وتعايشوا معها عن كثب، واختصموا بود مع خصومهم الأهل، وانتزعوا الإعجاب والاحترام وصاروا مثلا أعلى لشعب طيب نبيل.وكانوا - بخلاف أهل اليوم- ينتمون إلى قبيلة واحدة، وجهة واحدة، ووطن واحد: موريتانيا الحرة الواحدة، ويهتفون بشعار واحد:
"آنا گَــــــدّكْ   *  وانْتَ گَـــــــدّي!
مـان عَبْـــدَكْ  * مَانَـــكْ عَبــْدِي".
 ذلك الشعار الذي وجب تعديله اليوم في مواجهة دعاية المبطلين المفرقة ليصبح كالآتي:
"آنــا ڮـــدك  *  وانـــت ڮـــدي
مـان ضــدك *  مانــك ضـدي"
* * *
وفي هذا الصدد لم يوفق طبعا، زميلي الأستاذ أحمد بزيد ولد المامي ـ  من طرف الاتهام ـ حين أدلى أمام محكمتكم الموقرة ببيت المطلع من قصيدتي:
"أي شيء يثيـر للنكـران،     مثل ملك الإنسان للإنسان؟"
وكان يعتد بهذا البيت ويعتمده حجة على وجود العبودية في موريتانيا، وعلى اعترافي بذلك الوجود.. وبالتالي تناقضي، وتخليّ عن مبادئي! وأنا أود أن أسجل ردا عليه بعض الملاحظات، وهي:
أ. أن تلك القصيدة ليست وليدة اليوم؛ بل عمرها أربعون سنة! إنها قيلت في مدينة النعمة سنة 1970! يومئذ كانت العبودية موجودة، وكانت تلك القصيدة صرخة صادقة ومدوية ضدها.
ب. أن تلك القصيدة لم تكن القصيدة الوحيدة التي تدين العبودية أو الأولى في سجل أدبنا المعاصر؛ فقد سبقتها بنحو عقد من الزمن قصيدة بعنوان "آدمي تعبيده معقول؟" للشاعر والزعيم محمد الحنشي ولد محمد صالح. ومعهما أدب غني ومتنوع في هذا المجال عرضت نماذج منه في كتاب أزمة الحكم في موريتانيا.
ج. أن القصيدتين ليستا شعرا حرا، ولا من شعر صيادي العبيد. فيوم كانتا لم يكن هناك حر يغرد خارج سرب أحرار موريتانيا الواحدة المتحدة.
د. أن العبودية التي كانت موجودة يوم قيلت القصيدتان قد زالت وانقرضت ولم تعد موجودة؛ وما يدعو إليه صيادو العبيد هو فرض، أو افتراض واقع خيالي لم يعد موجودا، خدمة لخططهم المشبوهة.
هـ. أن الخلط المتعمد من طرف صيادي العبيد بين "العبودية" ومعضلة تهميش الحراطين خلط مرفوض؛ ذلك أن معضلة الحراطين الحقيقية ليست العبودية قطعا؛ فهم - في معظمهم - أحرار منذ الأزل؛ ولم تعد توجد اليوم "عبودية" لدينا، إلا تلك التي يخترعها المبشرون بـ"عبودية الحراطين" بغية تدجينـهم وتدجيلهم حتى يظلوا متخلفين يمكن خداعهم والسيطرة عليهم بواسطة الأفكار البالية المعطاة، واتخاذهم سلما اجتماعيا يمتطيه الوصوليون إلى مآربهم؛ غير أن من المؤكد أن الحراطين لن يقبلوا لعب ذلك الدور الخاسر ما دام لا يضمن لهم إحداث تغيير جذري في واقعهم المزري، وما دامت العبودية - لغير الله- لا تشكل مَقاما مغريا يَطّبِي الأحرار!(ينظر: أزمة الحكم في موريتانيا ص 196).
8. والبيظان بمختلف أطيافهم وألوانهموفئاتهم الاجتماعية، هممن تصدروا بالأمس صمود ومقاومة الوطن ضد الفساد والاستبداد والهيمنة والاختراق الصهيوني، وكانوا ركن الوطن المنيع الذي تأوي إليه جميع فئاته. وهم من يتصدرون اليوم صحوته المباركة. فعندما انقلب المفسدون وأسيادهم على النهج الوطني الذي تأسست عليه موريتانيا وحادوا بها عن الصراط المستقيم! فمن ذا الذي هب لإنقاذها ولبى النداء وبذل المال والنفس في سبيل عزتها وشرفها؟ من ذا الذي قاد التمرد ضد سلطة الانقلاب في عنفوانها وقال "ربي السجن أحب إلي..." وتجشم المنافي؟ ومن الذي قاد حركات 6 إبريل 1979، و16 مارس 1981، و12/12/84، وانتفاضات 92 و94، و8 يونيو 03، و3 أغسطس 05، و6 أغسطس 08؟ ومن يقود الآن معركة الإصلاح والبناء والكرامة؛ مضغة إذا صلحت صلح الجسد الموريتاني كله، وإذا فسدت فسد الجسد الموريتاني كله؟ إنهم البيظان! وإن كانت هذه الحقيقة العنيدة التي وجب التنويه بها في مواجهة المبطلين، لا تنقص ولا تبخس من قيمة - أو كرامة أو مساهمة- أي مكونة وطنية أخرى.. ولكن "يجب أن يكون ما لله لله، وما للقيصر للقيصر! 
9. والبيظانفي جوهرهم الأصيل مجتمعٌ منفتح ومتسامح وقبولٌ، رغم ما علق بطباعهم من شوائب عرضية عابرة. ولسان حالهم يقول:
"وإني على ما كان من عنجهيتي     ولوثــة أعرابيتـي لأديــب"
فهذا المجتمع لم يخْصِ عبد مسومة (لأنه لا يخصي أصلا) بل تقبّله واحتضنه، وتغنى بمواويله البديعة، وتسامر بحكايات عشقه الأسطوري لسيدته؛ مما جعل محمودَ يصير أحد أبرز رواد ثقافة البيظان حيث تلقن "امريميدتـ"ـه للناشئة كما "قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل". وكان من كبار أولياء مجتمع البيظان  وأشياخهم وحكمائهم وأدبائهم وزعمائهم وسادتهم وفتيانهم بجدارة: بلال الولي ومحمد خيرات والشيخ أحمدُ بنبه والشيخ إبراهيم انياص وديلول ومحمدن ولد ابن المقداد وعبدي ولد يبه والتراد كمرا وبندا بوي ويبه سلا وسيد المختار انجاي، وبلّه جالو وممادي وبلال الجولي وهمدي ولد محمود وأولاد أغمي(1وأبهم(2وألمين ولد مرزوق ومحمود ولد ابراهيم وعبدو ولد صنب فال.. وغيرهم. هذا إن لم نذكر غير الأمثلة القريبة التي يمكن أن تستوعبها ذاكرة نشء العولمة والسرعة.
10. والبيظان بمختلف أطيافهم وألوانهموفئاتهم الاجتماعية،لم يفرطوا فيإرث أجدادهم الذين ابتكروا حرب العصابات (أخبط واهرب) في مواجهة الرومان والوندال وجيوش إمبراطوريتيهما الجرارة المتفوقة عددا وعدة (موريتانيا عبر التاريخ البشري م. س) فقضّوا بها مضاجع المستعمرين الفرنسيين حتى أخرجوهم من بلادهم. وما زالوا يتشبثون ـ مثل أجدادهم ـ بالصحراء وطنا وحصنا منيعا يحتمون بتضاريسها الوعرة من كل الغزاة والمستعمرين والمعتدين والطامعين؛ وبالإبل (اقتصادا وسلاحا) التي تفوّق أجدادهم في تربيتها على الرومان لغرض حربهم الطويلة ضدهم (احلب واشرب واركب واهرب) فهزموهم بها؛ كما أنهم أخذوا من الإسلام عقيدة التوحيد والمساواة والجهاد ولغة الضاد؛ وامتلكوا وأقلموا الثقافة العربية الإسلامية، فكانت خلاصة كل ذلك "ثقافة البيظان". وما تزال بقية من هذه القواعد الخمس: عقيدة الإسلام ومساواته ولغته، وثقافة البيظان، وتوطن الصحراء، وامتلاك ناصية الإبل، واستيعاب فنون حرب العصابات، باقية في مجتمع البيظان الحالي تمحضهم سرها، وتشكل سبب بقائهم، وعنفوان حياتهم، رغم ما أصابهم من ترهل وخمول مبيت.. فـ"دار ابن لقمان على حالها".
* * *
﴿يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولوكره الكافرون﴾.      
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ           
1- الذين يقول فيهم سيدي ولد اجاه من ضمن ما يقول:
الشيخ ولد أغمي   معروف بتمعليم
واباه ملغمي   واعبيد وابراهيم
2- الذي يقول فيه سيدي ولد اجاه نفسه:
أبهم فالستر فات تم             واعليهَ طبعُ جابر
راج فالله ألا ايتم                جابر وافُّم اجَّابر
فيديو
جميع الحقوق محفوظة للموقع - 2012

ليست هناك تعليقات: