28 يونيو، 2013

إطلالة على المنابع.. بقلم: محمدن ولد حامد..


الخميس 9 مايو 2013
انطلقنا حوالي الساعة الخامسة بعد الظهر من نواكشوط  بعد ان اكتمل افراد المجموعة المسافرة : عمير، الداه، بباه، أبي و العبد الفقير  و بعد الحصول علي اذن الخروج من القيادة.
كان الاتجاه نحو الشرق اولا ثم الي الجنوب ...الي المنحر.
تم الاتفاق مع عناصر من المجموعة موجودة في سيارة اخري: ول أبد، أوفي، حبيب الله، الطلبة، علي اللقاء عند منعرج الطريق الواقع عند الكلم 69 علي طريق الامل.
كان الجو حارا خارج السيارة و رغم عدم استعمال مكيف السيارة فلم نشعر بذلك. دار الحديث عن الحياة الثقافية تتخلله ترانيم ام كلثوم وهي تتهجد في محراب الخيام مما ساعد في تلطيف الجو داخل السيارة.
توقفنا قليلا عند منعرج الطريق حيث التحقت بنا السيارة الثانية و تركناها تتقدم الركب.
كانت اللافتة الموجودة علي الجانب الجنوبي من الطريق تحمل ثلاثة اسماء : اسبيخات ــ  العارف  ــ  تندكسم. انها بوابة اكيدي الشمالية.
كنت اود الوصول الي المنحر قبل غروب الشمس لمشاهدة المعالم و التمتع بالمناظر التي طالما سمعت الحديث عنها عند الوالدة أطال الله بقاءها.
تركنا الطريق المعبد و سلكنا طريقا رمليا متجها جنوبا. التحق بنا نابغة زمانه في احدي مراحل الطريق و تولي تعريفنا علي الارض و ساكنتها و الارشاد الي افضل السبل المؤدية الي المنحر و لذلك تقدمت سيارتنا.
تجاوزنا القري الثلاثة المعلن عنها سابقا والتي تمثل منبع العلوم و مهد محاظر اكيدي. يكفي انها تضم اسماء مثل اهل الما و اهل المحبوبي.
بدا المنظر أمامنا مغايرا للصورة المطبوعة في مخيلتي. ليست هنا اودية ولا تلال و لا غابات. لقد ساوي التصحر بين تلك التضاريس ولم يعد بالإمكان تمييزها إلا من طرف العارفين بها القاطنين فيها.
كانت السيارة تتنازع الاتجاه مع رمال هي سيدة الموقف تغوص فيها و تخرج منها دائما بأعجوبة. و كان صاحبها يراوغ مع مساعدين متطوعين لم يتفق علي خبرتهما بعد في هذا الميدان.
لم تشغل الوضعية نابغتنا عن ذكر اسماء بعض الاماكن و توجيه صاحب السيارة عند الضرورة. 
حاولنا ما امكن مراجعة الاحداث المتعلقة بالأماكن المذكورة : اندصد ـ انتوفكت ـ انفغيل ـ اتكيليلة ـ بسبايس ـ بونبيبيغه ـ انتوطفين ـ عكيلة الوزغة ـ المحرد ـ الميسرـ تنبراره...وبقيت أخري ...كلها أسماء تحمل الكثير من تاريخ هذه المنطقة.  و قد انتهز بعضهم الفرصة لإجراء مباراة في هذا المجال بيني وبين احد اعضاء مجموعتنا سبق ان قضي فترة خارج البلد و لا ادري كيف كانت النتيجة الا ان اغلب الدورات كانت له.
توقفت السيارة شرق خيمة ضربت علي رأس ربوة عالية و سمعت أحدا يقول رمتكم مكة بأفلاذ كبدها و ظهر حامد ـ اندوي. توقفت السيارة الثانية و نزلنا جميعا و بدأ تبادل عبارات الفرح بالوصول و باللقاء و نسيت انه كان في الرحلة عناء. 
التحق بنا في الخيمة المصطفي ولد امين و محمد ولد السالك.
صلينا المغرب واستمتعنا باستراحة قيمة قمنا بعدها بزيارة للبئر التي يتم حفرها.
رجعنا الي مكان الاقامة. صلينا العشاء وتواصلت الاستراحة تحت الخيمة.
بدأ الليل يسدل ذيوله علي المكان. تراجعت رياح السموم الشرقية امام نسيم لطيف ساحلي. اطفئت المصابيح لتترك النجوم تضيء المكان و بدأت المجموعة سمرها بعد ان تأكد بعضهم من امكانية ذلك.
اخترت مكانا في الجانب الشمال الشرقي من الخيمة يمكنني من التأمل في سماء صافية تختزل الكون.  و بدأ الشريط...
بدأت استحضر الاحداث في هذه البقعة حسب ما روت الوالدة أتن و ما سمعته من الوالد رحمه الله أحمد سالم ولد أوفي ـ الشيخ بديه ـ ايام كنت معه.
كانت مداخلات الاصدقاء تفرض علي احيانا قطع الشريط لمرافقتهم. لقد واصلوا مذاكرة الاحداث بطريقتهم.  يمزجون النوادر بالتندر مبتعدين دائما عن الغيبة كما عودوا انفسهم علي ذلك.
لا اعرف متي كان نومنا لكني اعرف اننا استيقظنا جميعا قبل الفجر الصادق.
صلينا الصبح في عريش بني علي الطريقة القديمة قال أحد عناصر المجموعة أنه محاكاة لعريش كان يتعبد فيه الشيخ بدي ـ عبد الله ولد أوفي ـ. أم الصلاة الاستاذ والداعية أميه ولد سيديا.
بعد الصلاة خرجت بمفردي.
توجهت شرقا حيث توجد اخر بئر تم حفرها في نهاية خمسينيات القرن الماضي. صعدت الي اعلي مكان في الشمال الشرقي لهذه البئر علي ربوة و تمكنت من  رؤية شاملة لمنطقة البئر و ما يحيط بها وتوقفت لحظة. 
دار بذاكرتي بعض ما مر بهذه الربوع و وجدتني اكرر رائعة استاذي البو:
اي ربع أودي به الحدثان                       فانمحي أيه فلا يستبان
كم به اشتد من صبا جريان                    مستمر ومن حيا هطلان
فاضمحلت أعلامه وترامت                    فوق باقي أطلاله الكثبان
خنقتني اذ لاح لا حي فيه                     عبرة و استبد بي هيمان
ان يكن خافقا هزيل المعاري                  فاقد النور ما به انسان
كم تهادت به ليالي انس                      خفرات منعمات حسان
و تداعت به لرفع صروح                    للمعالي و للندي فتيان
و لكم ريضت المعارف فيه                   و تبارت بشأوها شبان
حلق الدرس همهم و المعاني                والحديث الشريف و القرءان
و شيوخ لهم وقار و حلم                     و عليهم سكينة غران
زرعوا العلم في النفوس فشبت              و لها من معينه لمعان
و أداروا بحكمة و دهاء                    أمرهم, بل لهم تعاظم شان
ما ألانت قناتهم كف بغي                   اوعداهم عن سعيهم عدوان
فبنوا عاليا قويا كيانا                        و رعوه حتي استقام الكيان
شرف تغبط النجوم الرواني                عاليات مكانه و القنان
.....
رحمه الله ...       لقد اراح كل واقف علي هذا المكان.
واصلت السير علي المرتفع. مررت غرب الخيمة و توجهت الي البئر المجصصة فيما يبدو سنة 1928 .
  نادي علي بعض الاصدقاء للالتحاق بهم لان رحلة زيارة المدافن ستبدأ.
نواكشوط  12 مايو 2013
محمدن ولد حامد    


ليست هناك تعليقات: