13 أغسطس، 2014

مرايا قاتمة.... حرب الهرويين.... ( حلقة معادة.. بتصرف يسير..)

صورة ( لا) تخدم الموضوع...
يجتذب رجيع قطيع الأبقار البيضاء.. ذوات الروق الطويل أسرابا هائلة من الجعلان من مختلف الأشكال و الفصائل..فهنالك الجعل الأحمر نادرا و هنالك الأسود في الغالب الأعم..
عندما ترعى هذه الأبقار البرسيم الأخضر الطري تكون رائحة رجيعها أكثر جاذبية خاصة لدى هذا الجعل مضرب المثل في الفجح.. و في الهروب من الرائحة الطيبة.. و الانجذاب إلى  الروائح الكريهة..
يحلق الجعل من هذه الفصيلة على ارتفاع يزيد قليلا على المتر الواحد.. و عندما يريد الإقلاع يكفيه أن يرفع جناحيه الخارجيتين و يدعمها بجناحين داخليتين ليكون الإقلاع في غاية النجاح..

لا يحتاج الجعل إلى الركض على مسافة طويلة قبل أن يقلع.. بل يقلع من حيث هو..
تحتاج هذه الطائرات العملاقة التي تخصص للشحن إلى أرضية مستوية من أجل الهبوط و الإقلاع.. و صارت تتطلب في عصرنا الراهن كثيرا من وسائل الأمان و الراحة..
عندما تقلع الطائرة و الطائر كذلك.. لا بد من أن يقع نوع من التعامل مع العجلات أو الرجلين بالنسبة للطائر.. أما الجعل ذو الأرجل الأربع فإنه ليس بوسعه أن يخزن تلك الأرجل و إنما يتركها ممدودة.. و لهذا فإنه قلما يوفق في الهبوط..
يكون رجيع الأبقار أكثر عفونة في الصباح عندما تؤثر فيه رطوبة الجو.. و لكن رائحة جوارب الرعاة المتعرَقة مع ارتفاع درجات الحرارة في منطقة النهر و السهوب تزيد من تعفن المكان..
يقضي هؤلاء الرعاة شهورا عديدة قبل أن يغيروا من جواربهم السميكة التي يحتذونها تحت نعال ابلاستيكية داكنة اللون في الغالب.. إنهم يميلون إلى الألوان الداكنة في كل شيء.. أبقارهم البيض بدأت تأخذ هذا الشكل الداكن في بعض القطعان.. لون يميل إلى الصفرة تقطعه خطوط سوداء على لون الحمر الوحشية..
كل شيء هنا يأخذ لون الطبيعة.. لقد ابتعدوا عن الألوان الصارخة ميلا منهم إلى التمويه و مجاراة الوسط.. ليست ثقافة العسكر غريبة في هذه البلاد..
كل شيء عندنا يأخذ الطابع العسكري.. رعاة البقر لدينا ليسوا من أبطال هوليوود.. ليسوا رعاة البقر الآمريكان.. إنهم رعاة البقر من طراز آخر.. و مع ذلك فهم يرتدون أحيانا البزة العسكرية و يحملون السلاح.. إنهم قوة حيقية ينبغي أخذ الحذر و الحيطة منها..
لا يهتم الجعل في حالة هبوطه إلا بالرائحة.. تنشط رائحة الشم لديه في حالتي الهبوط و على مدى بياته الشتوي.. أما في وضعية طيرانه فإنه ينظر إلى ما هو تحته.. لسبب طبيعي.. فقد ركبت اثنتان من عيونه الأربع في صدره و اثنتان في ظهره..
يهبط قرب أرجل الرعاة الصغار غير آبه بسيوفهم و عصيهم التي لا تفارقهم إلا في حالة النوم..بيد أنها لا تكون بعيدة منهم..
يبدأ في تكوير تلك العبوة التي هي بحجم كرة التنس.. تعمل الأرجل و القوادم معا مع العرف في عملية التكوير.. خلال ثوان معدودة تكون الكبة قد صممت على الشكل المناسب للدحرجة..
يبدأ في دحرجتها إلى غير اتجاه.. ليست لدى الجعل وجهة معينة.. يسير شمالا شمالا.. و عندما تعترضه عرقلة في طريقه يعود أدراجه.. فيسير في الاتجاه المعاكس مسافة أكبر.. لا ينبغي أن نبحث عن المبادئ لدى من يسير القهقرى عندما يظفر بمبتغاه..
يدفع الجعل العبوة بأرجله الخلفية.. الطويلة نسبيا.. إنها على الأقل أطول من يديه.. بينما تتميز سواعده بأنها مفتولة.. محكمة الفتل..
يظهر ذلك في هذه المواجهة التي ينازل فيها صائلا من أبناء جلدته يريد أن يسحب منه كبته..
عراك بالأيدي و الأرجل و تدافع بالجذوع.. يسفر في النهاية عن هزيمة أحدهما..
راقبت ذلك النزال لمدة دقائق.. غلا انني فشلت في تمييز الصائل من المصول عليه.. هزم أحدهما في البداية.. إلا أن هذا المهزوم التصق بالكبة من مكان مَا.. أما المنصر, و بنشوة انتصاره, فقد بدأ يدفع الكبة إلى غير اتجاه.. كان الدفع أسرع منه في السابق.. لا شك أن هذا الجعل يسابق عقارب الساعة..
ما تظنون الجعل فاعلا بهذه الكبة بعد أن يوصلها إلى حيث يريد..إنه بكل بساطة لا يتغذى على كتلتها.. و لا على مكوناتها.. و إنما ينتشي برائحتها.. تماما كما هو حال مستعملي المخدرات.. الجعل مستهلك مخدر من الدرجة الأولى.. و هو كذلك من المهربين الفائقين..
يتفانى في الحصول على هذه المادة بشتى الوسائل و الطرق.. بالبحث الدؤوب.. بالعمل الشاق.. بالصراع من أجل.. البقاء.. نعم البقاء خلال عدة أشهر و هو في بياته الشتوي ينتشي برائحة هذه المادة..
عندما يصل إلى مكان دهس.. يبدأ في الحفر.. خلال لحظات وجيزة تكون معالم الحفرة قد اتضحت.. يدخل الجعل رأسه في الحفرة و يخرج مغطى الرأس من الرمل الذي يزيحه بعيدا ثم يعيد الكرة..
في هذه الأثناء كان المنهزم من الجعلان يفيق شيئا فشيئا.. لقد مني بهزيمة نكراء.. و لا شك أنه أصيب بارتجاج شديد عند دفع غريمه للكبة بهذه السرعة العالية.. و لكن استنشاقه للرائحة و هو ملتصق بالكبة قد يحد من معاناته..
حرَك إحدى رجليه بهدوء تام.. ليرى ما ردَ الفعل من الخصم.. لم يلفت ذلك انتباه الجعل المستمرَ في عملية الحفر في هذا المكان الدهس الذي تتساقط حبات رمله على رأس الجعل.. فلو أوتي السمع و هو بصير لما انتبه لشيء لأن كل رأسه مغطى من الرمال الزاحفة..
رفع المنهزم رجله الخلفية و وضعها بقوة على جسم الكرة.. ثم وضع رجله الأخرى..و أخذ وضعية الاستعداد التام.. ( إلى الأمام... سر.. هينه هانه هينه هانه...).
كان الكبة تختفي بسرعة خلف أرجل المنهزم السابق و المنتصر الحالي.. في حين استمر المنتصر السابق و المنهزم الحالي في الحفر.. صار يدخل كل جسمه في الحفرة و يظهر بعد ثوان و هو يجرف أمامه ربوة تفوق حجم كتلته الجسمية.. لهذا قلنا إنه مفتول الذراعين.. أغلب..
خرج و لم ينتبه لشيء.. لو كنت أسمح لنفسي بالوشاية بين الجعلان لقلت له إن غريمه قد ذهب بالكبة و أنه هو الآن يضيع وقته في حفر لا جدوى منه.. لا يمكنني ان أسمح لنفسي بذلك.. قد أقوم بأي شيء للفت انتباهه.. قد أزيحه عن مكان الحفر بطرف العصا.. لا باليد طبعا.. و ذلك لعدة عوامل.. منها أنني أخاف ملامسة جسمه المضمخ بشتى الإفرازات بأصابعي.. هذا من ناحية.. إشفاقا عليَ شخصيا.. و إشفاقا عليه هو أيضا.. لأنه إذا كان في يدي بقية من عطور فإن ملامستها له تعتبر جريمة في حقه.. فالعطر لدى معشر الجعلان سمُ قاتل..
لم أخبره بشيء.. تابع.. حفر.. و عاد مملوء المتن من الرمل عدة مرات... ثم عاد.. و هو لا يحمل شيئا على ظهره.. صار يضع اللمسات الأخيرة على هذا البيت الذي لم يعد ينقصه إلا الباب  الأمامي.. و ما أدراك ما باب منزل الجعل.. إنه الكبة التي أعدت على مقاسات تسمح لها بسدَ الجحر خلال فترة إجازة الجعل.. كان يريد أن يأخذ إجازته السنوية.. و لكن.. هيهات.. لقد راح الغازي بكل ما لديه.. عليه الآن أن يبحث عن شيء جديد.. قد يكون من رجيع البقر أو الغنم أو الخيل.. كل هذا متوفَر في هذه البلاد..
انتهى العمل.. الوقت الآن صار لوضع الكبة في مكانها.. خرج مهرولا إلى مكانها.. لم يجدها هنا.. لم يطل البحث طويلا.. بل دار على نفسه.. و ... أقلع إلى حيث يجد زادا آخر..
                                                                                شفيق البدوي       


ليست هناك تعليقات: