11 أبريل، 2016

هل يمكن أن يستقيل وزير موريتاني...؟!

ما يزال إعجابي بصديقي العزيز عليَ, أحد مفتشي التعليم, يزداد لأن أفكاره النيرة صارت مصدر إلهام لدي.. فقد استطرد لي اليوم كلمة وزير الدفاع الفرنسي جان بيير شفنمانه أثناء حرب الخليج الأولى 90_ 91 عندما وجه استقالته من قصر ماتنيون إلى الأليزيه قائلا:" إن مفهوما مَا للجمهورية حملني على أن أطلب منكم, يا سيادة الرئيس, إعفائي من المهام التي أسندت إلي بوصفي وزيرا للدفاع في الحكومة الفرنسية"..

كان السبب المباشر لهذه الاستقالة هو رؤية وزير الدفاع الفرنسي لبعض المرتزقة الذين يتزاحمون على مكاتب الدفاع في دول التحالف من أجل تجنيدهم في هذه الحرب ضد نظام الرئيس الراحل الشهيد صدام حسين..
كان الموقف كافيا لهذا الوزير الشهم أن يدرك مدى التلاعب الحاصل بثوابت الجمهورية الفرنسية التي يربأ بها أن تجند الأجانب من أجل قضية تتعلق بسيادة الدولة.. أو أن تجنَد هي من طرف آخر...
لقد كانت الدولة الفرنسية, يومَها, عنصرا فاعلا في هذه الحرب من خلال الأسطول الجوي من طائرات الميراج ذات الصنع الفرنسي و حاملة الطائرات كليمانصو, رمز السيادة الحربية الفرنسية و رمز تطور الصناعة الحربية في هذه الدولة العظمى... فلم يستطع جان بيير أن يستوعب كيف تتحالف دول عظمى, بقيادة الولايات المتحدة الآمريكية, على ضرب دولة نامية من العالم الثالث...
قد يكون الوزير أدرك أن هذه الحرب لم تكن سوى تسويق للآلة الحربية الآمريكية التي تعيش من الحروبحروب و بال.. تلك الدولة التي ينطبق عليها قول الشاعر العراقي, بدر شاكر السياب, في نظرته المكيافيلية متحدثا عن حفار القبور.. عندما يقول: " ... سأموت من ظمإ و جوع.. إن لم يمت هذا المساء... بعض الأنام..."
تموت آمريكا ظمأ و جوعا إن لم تقم حرب في بعض أصقاع المعمورة .. شريطة أن تكون تلك الحرب بعيدة عن نطاقها الإقليمي.. و هل يريد فرانسوا ميترانه أن ينجرف بالدولة الفرنسية مع هذا المد الميكافيلي؟! ذلك ما خشيه وزيره للدفاع و جعله يستعفي من منصبه..
لقد سردت هذه القصة من أجل أن أتساءل متى يكون لنا وزراء بهذا المستوى... وزراء لديهم ( مفهوم مَا للجمهورية..), مفهوم مَا للدولة.. مفهوم مَا للضمير, مفهوم مَا للكرامة.. مفهوم مَا للسيادة ... يقفون حائرين أمام قرار معين و .. يقدمون استقالتهم بكل ثقة و اعتزاز لرئيس الحكومة..؟
يقدمون استقالتهم عندما يحمَلون_ إن حقا أو كذبا_  ذنب امرئ آخر..
و حمَلتني ذنب امرئ و تركته                 كذي العرَ يكوى غيره و هو راتع...
يقدمون استقالتهم عندما تبطش بكرامتهم و سمعتهم أياد خفية تريد أن تدنسهم..
 و لا أفعل الأمر الذي يورث الخنا           إن الكريم عن الخنا لبمعزل..
يقدمون استقالتهم إذا شعروا أن تزلفهم لسادتهم كان وبالا عليهم...
يقدمون استقالتهم إذا تسربت مواد امتحان وطني يكلف الدولة مئات الملايين و هم مسؤولون عنه..
يقدمون استقالتهم إذا وقعت كارثة وبائية و أنكروا, عبثا, وجودها..
يقدمون استقالتهم إذا عهد إليهم بملفات هم عاجزون عن معالجتها.. أصلا..
هل يظن وزراؤنا أن الاستقالة لعنة ستلاحقهم مدى الحياة؟!
أيظنون, كالعوام, أن الاستقالة فشل ذريع  و أن الوزير الناجح هو من يبذر مال الدولة.. فذلك تكريس قوته و شجاعته؟!
هل إن راتب الوزير يستحق من صاحبه أن يضحي بكرامته و سمعته و دينه و مروءته؟!
هل إن الحقيبة الوزارية تكليف أم تشريف؟
يروي لنا التاريخ عن الإمام أبي حنيفة النعمان, رضي الله عنه, أنه استدعاه أمير العراقين و طلب منه أن يتولى القضاء في البصرة و الكوفة.. فقال أبو حنيفة: " لا أصلح لذلك.." فقال له: " نعم تصلح " فرد عليه أبو حنيفة: " قلت لك إنني لا  أصلح.. فإن كنت صادقا فأنا لا أصلح لهذه المهمة.. و إن كنت كاذبا فإنني لم أعد أصلح للقضاء لأنني كذبت...."
إنه موقف ينبغي أن نتأسى به.. ينبغي أن يقول يوما أحدنا إنه لا يصلح لمهمة مَا....
أيعتب علينا القائد إن امتنعنا عن قبول المنصب؟
أيعتب علينا الشعب إن امتنعنا؟ هنالك, على الأقل,  وزيران كانا استعفيا من منصبيهما و لم تقم القيامة..
استعفيا من منصبيهما و هما في أوج عطائهما و أدائهما المتميز و... كامل وعيهما...
فلم لا نجد اليوم وزراء يستقيلون من مناصبهم قبل أن يسمعوا في الإذاعة أنهم قد أقيلوا...
أقيلوا ضحى و لم يشعروا بذلك إلا في نشرة الثامنة مساء.. ( بغتة و هم لا يشعرون).. أي إهانة هذه؟!
أعرف أن الوزراء لا يستقيلون لأنهم لم يعينوا بالتشاور معهم و لذلك يقالون بغير التشاور معهم..
كان على الوزير الأول أن يتشاور مع الوزراء بشأن ( ركوبهم و ترجلهم).. بشأن حسن أدائهم أو سوء أدائهم..
أن يشعر الوزير أنه أدى واجبه على أحسن وجه.. أو أنه لم يؤد ذلك الواجب...
استوقفني في مهرجان حزب الاتحاد من أجل الجمهورية كلام الوزير الأول و هو يقول: "إن كلام المعارضة غير صحيح.."
قد يكون.. و لكن لا ينسى الوزير الأول أن المعارضة قالت إن ( نظام ولد عبد العزيز قد جلب للدولة الموريتانية  من المال خلال 8 سنوات ما لم يجلبه جميع الأنظمة السابقة...) أتقصد أن هذا غير صحيح..  أرى أنه ينبغي الناي عن التعميم هنا..
و هل صحَ عندكم كلام الأغلبية عندما قالت إن ولد عبد العزيز ( لم ينجز إلا نسبة قليلة من برنامجه الانتخابي و أنه ينبغي أن يمنح مأمورية أخرى لكي يكمل هذا البرنامج...) ( أتؤمنون ببعض الكتب و تكفرون ببعض.. ).. هل تقرأون: ( لا تقربوا الصلاة) و تتركون ( و أنتم سكارى)؟
يا صاحب المعالي.. أنت وزير أول لعامة الشعب الموريتاني.. بجميع طيفه السياسي.. و جميع جهاته و قبائله و عشائره و فصائله و طبقاته..
و نحن, بوصفنا مواطنين, نجلك عن أن تتخيل أنك وزير للأغلبية أو للمعارضة أو لانجاكَو أو جكَني أو بير أم اكَرين أو وامبو..
لست وزيرا للبيظان أو البولار  أو السوننكي أو الولوف... و أخيرا أطرح عليك سؤالا.. هل تقبل أن تقدم استقالتك إذا طلب الرئيس منك ذلك؟ لا شك أنك ستقبل؟ و لكن هل يقبل وزراؤك ذلك؟
ستجد صعوبة كبيرة في إقناعهم بذلك.. فلتفكر في ذلك منذ الآن.. و إن فكرت فيه ففكر أنك قد تقوم بالاستقالة دون أن تطلب منك..
و إشارة أخرى متى يكون بين الوزراء المقالين و المعينين تبادل للمهام.. حتى لا تتعدد المسؤولية في الوزارة و تختلط الأوراق؟!
و في الختام.. أقول إننا نهنئ وزيرنا الأول لأنه على يقين من أن أداءه ليس فيه ما يجعله يقدم استقالته لرئيس الجمهورية.. فله على ذلك كل تقديرنا و احترامنا...

                                                                                                  س. م. متالي.

ليست هناك تعليقات: