23 أغسطس، 2014

رسالة الشيخ سعد أبيه إلى حاكم إندر.... ( من الأرشيف الفرنسي..) نقلا عن صحيفة نواكشوط..

جاء في كتاب "حوليات موريتانيا السينغالية" للضابط والترجمان إسماعيل حمت (مؤرشف في المكتبة الوطنية الفرنسية سنة 1911) نص رسالة للعلامة الشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل إلى الوالي الفرنسي بمدينة سان الويس (اندر) بشأن إداريين ومستكشفين بعثت بهم فرنسا لتقصي أخبار البلاد ولاقوا في مهماتهم بعض الصعوبات.
الرسالة وردت في الكتاب مترجمة إلى الفرنسية مع نصها العربي الأصلي الذي ننقله لكم دون تصرف. إلا أنه يجب التنبيه إلى أن "موسَ" أو "موسي" التي ترد في نص الشيخ قبل بعض الأسماء الفرنسية يريد بها "مونسيي" أي "السيد" بالفرنسية، و"كــُماندَ" يعني بها الرائد أو الحاكم الذي يصفه تارة بـ"أمير الترارزه" وتارة بـ"شيخ أندر"، وأما "إفرنسة" فتعني فرنسا. وبخصوص الأحداث نفسها فقد دارت كلها في حدود 1900، بما فيها المهمة الشهيرة التي قادها ابلانشي إلى آدرار وكتب عنها جوينو كامبيتا تقريرا في شهر سبتمبر 1900 مباشرة بعد انتهائها. كما يجدر التنبيه إلى أننا وضعنا نقاطا وفواصل من عندنا لأن الكتابات القديمة كانت خلوا منها، كما أنه ثمة جمل يصعب فهمها لمن لا يعرف الأساليب اللغوية البدوية القديمة، مثل: "ركبت في إخوتي وسرنا نحوه"، فهناك حذف معروف قديما، أي "فركبت في، أو مع، نفر من إخوتي"، فحذف النفر وحرف الجر كان مقبولا ومعروفا حينها.


نص رسالة الشيخ سعدبوه إلى حاكم الترارزه
هذا وإني أمرني كــُـماندَ، أمير الترارزه، أن أكتب له خبر رجال إفرنسة الأربعة الذين قدموا إلى أرض الصحراء وجميع ما جرى لهم. فأقول: أولهم اسمه موسَ سليانْ. قدم علينا في زمان اعلي بن محمد لحبيب راكبا على بغلة وعنده عشرة جمال عليها كثير من الصناديق المملوءة عينا وعروضا وأثاثا وكثير من الخنط وغيره، وليس معه إلا أدلاؤه على الطريق وخدامه وترجمانه. أتانا ونحن في تيجريرت، فقال انه يريد أن يسير في البلاد وينظرها ويأتي آدرار ويجتمع مع أميره ثم يذهب إلى ولاته. فلما سار من عندنا سمعنا بعد يوم أو يومين أن محمد بن عبد الله الدليمي، في ستين من قومه، توجهوا إليه يريدون نهب ما عنده وقتله، فركبت في إخوتي ومن حضر من تلامذتي فبادرناه فصادفناه في الوقت الذي أخذوا به لجام بغلته ذاهبين به في رمال عظيمة من أرض آكشار يريدون أن يفتكوا به، فجرى بيننا وبينهم نزاع طويل حتى استنقذناه بجميع ما عنده، لم يؤخذ منه شيء، فرجعنا به إلى خيامنا وأرسلنا معه من يؤمّـنه إلى أندر.
ثم خرج واحد آخر اسمه فبير فاتانا في موضع يسمى تنيره، ذاهبا إلى آدرار، فعلم به أعمر سالم بن محمد لحبيب، وهو يومئذ في بلاد من أرض الكبله بسبب حرب بينه وبين ابن أخيه أحمد سالم، فأتانا في كثير من لفيف أهل البوادي، يريد قتله وأخذ ما عنده، فتعرضت له، وقلت له أنه لا يصل إليه بسوء حتى يقتلني دونه، فتركه وذهب، فأرسلت له رجلا من أولاد ديمان إلى ابن عيده، فقال له أن يذهب إلى اتويزكت ليلتقي معه هناك، فلما بلغنا اتويزكت راحلين إليها أرسلنا له من يحمل كتابه إلى ابن عيده يقول فيه انه هو أتى اتويزكت فليعجل عليه، فرد عليه بأنه الآن قد رحل إلى أرض تيرس فصارت اتويزكت بعيدا منه، فليرجع إلى أندر إلى العام القابل فليأت، فرجع فبير وأعطيناه من يدله إلى أندر.
ثم خرج بعد ذلك رجل اسمه بزياد، فذهب إلى أن وصل معدن الكبريت في ناحية تفلـّي، فأقام هناك ينظره، ونحن حينئذ في بلاد التل، فبلغنا أن ركبا من بني دليم ذهبوا إليه، وفيهم ولد محمد ولد اعبيدلـّي، فأرسلت ابن أخي اسمه ول عبدات إلى بزياد ومن معه، وأمرته أن يجدّ في السير لئلا يسبقه أولائك اللصوص إليهم، فبادرهم وأعلمهم، فذهبوا إلى أندر ولم يدركوهم.
ثم خرج بعد ذلك موسي ابلانشي، وسبب خروجه أن إفرانسَ أرسلوا محمد بن أبي المقداد إلى آدرار يريدون العهد مع أميره أحمد بن سيد أحمد، ويطلبون منه أن يتعامل معهم بالتجارة إذا خرجوا من جانب بلاده، فساعدهم في جميع ذلك، ورجع من عنده محمد بما يريد. فلما كان العام الآتي خرج موسي ابلانشي ومعه محمد في خمسين رجلا، وعنده كثير من المال، فأتانا عند اتويزكت ومعه رسل من عند المختار بن عيده التقى معهم عند الكواشيش، وقالوا له: يقول لكم المختار ان أحمد بن سيد أحمد مات، وأنه هو قائم مقامه فيما كان بينكم وبينه من العهد، فلتأتوه يكن لكم ما تحبون. فلما أتونا قلت لهم: ليس الرأي عندي أن تذهبوا إلى آدرار حتى تعلموا هل له أمير موثوق أو لا، لعلمي بحال المختار، فإني لا آمن عليكم من الخديعة والغدر، فالرأي أن تجلسوا عندنا ثماني ليال حتى تعلموا أن أهل آدرار توافقوا على إمارة هذا الرجل. فقبلوا وأرسلوا ابن صمبه نورُ وواحد من إيدوعلي، فأتياهم بكلام طيب من المختار، وأنه سيعرّض لهم ابنه فيؤمنهم حتى يأتوه، ففعلوا فأرسلت معهم ابني الحضرامي، فسار ثلاثة أيام يؤمّنهم بجاهه من لصوص تلك البوادي حتى تعرض لهم أحمد بن المختار الذي قتله أولاد أبي السباع عند موضع يسمى تابرنكوت، فقلوا للحضرامي أن يرجع وذهبوا مع ابن المختار حتى دخلوا أطار، فجعلوه في دار منه، فأتت جماعة المختار إليه وقالوا له: ما حملك على إدخال النصارى بلادنا؟. فقال لهم: إنما فعلت لأظفر بهم وبمالهم، وكان رجلا أبله. فلما سمعتْ الجماعة ذلك قالت فيما بينها: انه لما كان هذا مراده فإننا نسبقه إلى هذه الغنيمة. فاجتمعوا على الغدر دونه. فلما كان ذات يوم خرج ثمانية من قوم موسي ابلانشي يريدون الماء، فما علموا بشيء حتى أحيط بهم فقــُـتلوا، فلما سمع قومهم صوت المدافع خرجوا يقتلون كل من رأوا حتى قتلوا ثمانية أنفس ليس فيهم من أهل السلاح إلا اثنان والباقي زوايا، فرجعوا إلى دارهم فوجدوا ما فيها قد انتـُـهب كله فتحصنوا فيها، وقد جرح يطـْـنـَـه ومحمد سك وقتل ابن صمبه نورُ وجرح عبيد السباعي في يوم بعد هذا اليوم الأول، وقد خدعوهم حتى خرجوا إليهم، فمكث الجميع مدة محصورين في تلك الدار حتى اشتد بهم العطش، فقال من فيهم من السودان: اهدموا لنا هذه الدار ليلا فنخرج منها ونمنع أنفسنا حتى نحتال للسفر إلى بلادنا، فقال موس ابلانشي وصاحباه: نحن لا نستطيع المشي على أقدامنا ولا نخرج، فخرج السودان وتركوهم ومحمد سك فيما لا يليق بمثلهم. فمرت بنا أولائك السودان وأعطيناهم من يدلهم على الطريق وما يحتاجون إليه من القِـرَب وغيرها، فلما بلغوا اطويله التقوا بعير عظيمة من أهل آدرار من الزوايا فقتلوا منهم ثمانية وأفسدوا ما في أيديهم من المال. فلما بلغ الخبر أهل أندر أرسلوا إليّ كتابا وأرسلوا واحدا إلى الشيخ سيديّ في أن نبذل الجهد في استخلاص ابلانشي ومن معه، فركبت إليهم في زمان شديد الحر، فلما أتيتهم وجدت أهل آدرار أجمعوا أنهم إما أن يقتلوهم وإما أن يذهبوا بهم إلى سلطان المغرب، فقلت للمختار انه لابد أن يطلقهم في يدي، فإن ذلك فيه الخير للمسلمين كلهم، وأن دولة افرانسه أحاطت بأقطار البلاد ولا سبيل إلى ما يغيظها، وليس الصواب إلا في مصادقتهم وجبر خواطرهم، فإني جربتهم منذ ثلاثين سنة، فما جربت في عهدهم وصحبتهم إلا الصلاح، فلما سمع الطـُّـلبة والعلماء بما قلت له قالوا له: لا يجوز في الشرع أن تطلقهم، وهذا الرجل الذي جاء ينتصر لهم لا ينبغي إلا قتله، وشنعوا له جدا. فلما علمت ذلك، قلت له أن يجمعني مع هؤلاء العلماء حتى أبين لهم غلطهم وخطأهم، ففعل، فمكثت في مناضلتهم قريبا من شهر حتى بينت لهم في كتبهم وشريعتهم أنه لا يجوز قتلهم لأنهم دخلوا بأمان وعهد، فلا يجوز الغدر في شرعنا، هذا إن فرضنا أن افرنسه لم يقدر أحد أن يعارضهم، وأخرى أنكم إن قتلتم منهم ثلاثة فليس ذلك ينقص عهودهم ولا قوتهم، ويجري الفساد العظيم على جميع المسلمين، فرجعوا كلهم وسلموا إلي ولم يجدوا جوابا، ولكن قالوا انهم يريدون قتلهم في مقابلة قومهم الذين قتلوا عند اطويله، فقلت لهم: إنكم أنتم غدرتموهم أولا وقتلتموهم في أمان، فلما رأى ابلانشي ذلك النزاع أمرني أن أضمن عليه ما يريدون من المال، فصالحهم على ألفين وثمانمائة، وقد سألني كـُماندَ عن قدر هذا المال فذكرت له ألفين ثم تذكرت بعدُ أن معها ثمانمائة، فأمرني المختار أن أعطي محمد سك ألفا وأربعمائة يأخذ منها أربعمائة في دية ابن صمبه نورُ وألف يبيعها له في حوائجه والباقي أرسله أنا له، فتحملت له ذلك، فذهبت بهم بعد جهد جهيد، وقد كان موس ابلانشي في أيام الحصار عليهم أراد أن يفدي نفسه، فبعث إلي كتابا مع رجل من أهل محمد سالم أن أمكـّنه من جميع أمواله التي ترك في دارنا، يأخذ منها ما أراد، يحمله للمختار، فأمسكت عنه جميع كتبه وذخائره التي تخص به، وتركت بينه وبين غير ذلك من السكر واللباس ونحوه، فلما أخذ ما أراد أمسكته حتى كتب لي جميع ما أخذ، وأمسكته مع كتاب موسى ابلانشي وتعريب محمد سك له، والجميع في يدي الآن. ثم إني ذهبت بموسى ابلانشي وقومه، وفي كل ليلة يبيتون في قبة وأبيت أنا وأبنائي وتلامذي نحرسهم إلى الصباح، فما زلنا كذلك إلى أن وصلنا خيامنا، فأرسلت معهم من يدلهم وأعطيتهم ما يحتاجون إليه في سفرهم حتى وصلوا إلى أندر. ثم إني أتيت أندر بعد ذلك فأعطاني شيخ أندر ذلك المال الذي ضمنت لأهل آدرار، ففعلت فيه ما قال المختار، فأعطيت نصفه لمحمد سك، وأمسكت معي الباقي حتى أتاني رجل من أولاد بسباع اسمه مولاي أحمد بن لعويس بكتاب من المختار يريد منه مائتين، ثم أتاني من عنده واحد من أهل الحاج يريد مائتين، ثم أتاني واحد من إدوعلي يريد مائتين، ثم أتاني ابن عبد الله الأزعم السباعي يريد الباقي فدفعته له، وكلهم يأتيني بطابعه وكثير من الشهود. انتهى.
ملاحظة:جميع المعلومات الواردة في هذه الزاوية منقولة مباشرة من المصادر الاستعمارية فهي كتابة للتاريخ من زاوية واحدة ومن وجهة نظر الغالب لذا وجب التنبيه

ليست هناك تعليقات: