9 يوليو، 2012

مرايا قاتمة.... حلقة معادة......


يحكى في هذه الربوع  من البلاد السائبة أن الأرنب كانت تزرع حقلا لها كبيرا (الثورة الزراعية ) من فصيلة الذرة والدخن (الزراعة الفيضية التي قضي عليها في الولاية) وكانت تتعهده بالرعاية حتى وصل إلى مرحلة متقدمة من نمو جميع أنواعه. كانت الأرنب(نؤنثها نزولا عند رغبة أبنائنا الصغار) لا تخشى كثيرا الآفات الزراعية على حقلها, ولكنها في إحدى الليالي لاحظت أن هنالك حيوانا قد عاث فسادا في الحقل وبدأت تفكر في اكتتاب حارس مخلص وقوي يحمي لها حقلها من هذه الآفة. فكرت أن تكتتب كلبا مثلا ولكنها تخاف الكلب في الأصل فقد يكون ضرره أقوى عليها هي منه على الحقل. فكرت في اكتتاب الأسد ولكنها تذكرت تحرشه الجنسي بها في ما يروى من القصص. المغريات المادية كبيرة والمناصب الشاغرة كثيرة  و العاطلون عن العمل أكثر ولكن الأقرب أولى من غيره.
الخسائر المادية التي تلحق الحقل تتزايد والعروض تتعدد والحيوان العابث بالحقل حيوان ضعيف وجبان ولكنه من أكبر المفسدين ونحن نشنها حربا شعواء على الفساد والمفسدين......
الأرنب لن يكتتب الفيل ولا النمر ولا الدب فكل هذا العيار الثقيل والقوة العظمى كفيلة بالقضاء على العدو ولكن قد تكون لها أطماع أخرى تهدد الحقل وصاحبته.
من مقاصد الشرع الدفاع عن النفس و الدين والمال والعرض... والأرنب لا تريد المساس بأي من هذه....... فإذا قررت التعاون الثنائي مع ملك الغابة قضى لها على العدو ولكنه قد يزرع لها عدوا آخر فهو يريد, من جهة, ترويج قوته ومن ناحية أخرى هو صاحب نظرة ميكيافيلية فقد يقول إنه من مصلحة الحقل مثلا أن تشنق الأرنب فيه حتى تموت وتتعفن وتكون الرائحة الكريهة المنبعثة منها كافية لتقزيز الآفات الزراعية من الحقل.... هذا هو المبدأ... الغاية تبرر الوسيلة. وقد يقول الدب إن حراسة الحقل تجعله هو صاحب الحقل..... شركاء لا أجراء.... ذلك شعار من شعارات البروليتاريين من عهد ستالين ولينين... وكل الشياطين...
قد يقول الفيل إنه بعل الأرنب ويحمي الحقل ولكنه قد يمس من عرضها بما يمنعه الشرع والعلم الحديث.....
من يكون حارس حقل الأرنب ضد هذا المفسد؟ ومن المفسد هذا؟
المفسد هو القرد! والحارس؟
اجتمع مجلس الإدارة في دورته العادية وبعد قراءة جدول الأعمال وأخذ المرطبات وتبادل عناوين الزيارة تقرر أن يكون حارس الحقل هو الذئب.... نعم الذئب لعدة أسباب.... منها أنه من الأقربين للأرنب, فالأطفال يسمعون دائما في قصص الجدات أنه زوجها.... ومنها أنه يظن عليه الشبع دائما وإن لم يشبع قط..... ومنها أنه لم يغلب الأرنب قط في الحيلة ولا في الحولة....
احتدم الصراع حول صيغة الاكتتاب.. فمنهم من يرى أنه ينبغي أن يكون الذئب من الأشخاص غير الدائمين.. ومنهم من يريد اكتتابه بصيغة العقدوي.. فهو ( كواس و لا يحمل شهادة)  ولكن الأرنب كانت ترى غير ذلك.. فطبيعة العلاقة بين الذئب وربة العمل تفرض أن يكون في الإطار, ولهذا فإنه ينبغي الإسراع  بقانون مراجعة الأسلاك مما سيخول للذئب الترقي في الوظيفة بصورة تشجعه على التصدي للمفسد بكل ما أوتي من حماس وقوة وشراسة.
صدرت مذكرة العمل عن مجلس الإدارة و تم توظيف الذئب في الوظيفة الجدييدة..
بدأ الذئب في حراسة الحقل وكان يعود في كل مرة فيحدث الأرنب ببعض البطولات التي قام بها في الليلة البارحة.... ولم يكن يخامرها أدنى شك أن الحارس صادق في ما يقوله, ولكنها لم تكن مطمئنة تمام الاطمئنان لوضعية الحقل, فما زالت الخسائر بينة للعيان... وما زالت السنابل تترامى هنا وهناك.... ولكن الأرنب واثقة من الحارس...
استمرت الحال وبات الحصاد وشيكا... ففاتحت الأرنب الذئب في الوضعية وأبدت قلقها.. فقال لها الذئب الذي يبدو أنه كان يتجنب القرد.. انتظري ما سيكون غدا.. وفي تلك الليلة لم يبتعد الذئب كثيرا من القرد.. فأمسك به القرد ورماه أرضا.. فسال ما سماه الذئب بعض البلل من القرد, أو من (الكاره للذئب) ثم أمسك به ثانية ورماه في مكان يغص بالسنابل.. فاساقطت وسقط معها من(الكاره للذئب) ما هو كفيل بنقض طهارته إن كان قد تطهر في حياته كلها....
كانت الرمية قوية حيث وفرت للذئب فرصة للهرب من هذا العدو الشرس.. فجاء إلى الأرنب وقال لها: لقد اعترك الرجال البارحة!
فقالت له: وما ذا كان؟ فرد عليها رد الواثق من نفسه: في الغد ترين ذلك بأم عينيك.
وفي الصباح الباكر جاءت الأرنب إلى الحقل والذئب يدلها على مكان مختلف مراحل المعركة.... كان التقرير مفصلا ومقنعا, يقول الذئب: لقد رميته هنا حتى تصصبب البول منه لاإراديا... وصفعته هنا حتى سقط على السنبل وسال مما في جوفه... فلن يعود بعدها أبدا إلى الحقل!
فقالت الأرنب: نعم لن يعود إلى الحقل لأنني أمتلك سائلا كل ما وضع على غائط حيوان مات في الحال! وسأضعه على غائطه هذا... فقال لها الذئب: انتظري قليلا, فالرجال إذا تشاجرت صعب التفريق بين غائطها.... وربما يكون قد سال شيء ما من أحد ولم يعد يتذكر ذلك.....
                                                   شفيق البدوي.
  

ليست هناك تعليقات: