25 مارس، 2016

مرايا قاتمة.... في إبعاد الشيخ محمد الحسن...

يحكى في بلاد القتاد و الهليج و الطلح و السرح و البشام  و المرخ و الثمام... بلاد العصيد و الهبيد و القطان... بلاد الملح و الونكل و الصمغ... بلاد المقول و السكوت عنه... من قال عنهم أحد مشاييخ الصوفية في رسالته: " ... أهل العلم و الإنكار و الجدل و الجداول و الأسحار..." ...
 أن ديمانيا أو واحدا من بني ديمان... ( هل يقبلون هذه العبارة؟!).. أو أحد بني ديمان... (قد تكون هذه أنسب..)
أو رجلا من بني ديمان... ( تلك هي العبارة!)... سافر إلى إحدى المدن الحدودية لمهمة مَا... فنزل ضيفا على أصحاب متجر من نمير أو من باهلة أو طسم أو جديس أو وبار .... و كان هؤلاء القوم في فن إقراء الضيف على مذهب  جرول في قوله:
أعددت للأضياف كلبا ضاريا              عندي و فضل هراوة من أرزن
و معاذرا كذبا و وجها باسرا               و تشكيا عض الزمان الألزن...
لم يكتفوا بالعبوس في وجهه و نسج الذرائع الكاذبة له.. و إنما آجروا من كلفوه بطرده أيان يحل بهم..
كان لهم لهذا الغرض رجل يحمي حماهم فهو من عتاة بني حام الذين قال فيهم الشاعر:
سما و حمى بني سام و حام              فليس كمثله سام و حام
كان مطيعا لمستخدميه حتى صاروا يتحدثون معه ببعض الإشارات.... فإذا جاء غريب و أراد أن يقدَم له قدح شاي... و نهره العامل... فإذا قال له أهل المتجر (اتركه).. فمعنى ذلك حرمانه من الشاي... و إذا كان وقت الغداء و قال أهل المتجر ( سدَ الباب) فذلك يعني طرد الغرباء....
صار عامل أهل المتجر وزيرا للشؤون.....(الشائية و الغذائية) .. كان خبيرا بالفنون الجميلة... خاصة فن التصفيق و التدليل و البلبلة و اللحلحة...
نزل رجل بني ديمان بباب المتجر.. فألقى التحية على أهله و هم ينظرون إليه شزرا... فقال أحدهم للعامل و هو يزيح بصره عنه..( اتركه... يجلس بجانبك..)
جلس غير بعيد من العامل الذي بدأ يعِد الشاي.. فلما سكب القدح الأول.. تناسى أن يسكب قدحا للضيف فلما فرغ من تقديم القداح لمن يرغب في تقديمها له.. إلتفت إلى الضيف و قال له: " نسيتك في هذه الدورة.. و لكن انتظر الدورة القادمة..."
لم ينبس الضيف بكلمة سوى أنه ابتسم ابتسامة خفيفة فيها من المجاملة للعامل و فيها من الرضى أو عدمه بالمعاملة التي لقيها من المسؤولين عن المتجر... ( الرمادي)...
كان القدح الثالث شبيها بالأول في أحداثه و أحداث الثاني.. و ما فتئت تلك الابتسامة غير البريئة لا تفارق شفتي الضيف.. انقضى الشاي و تمت تنحية آلاته... و حان وقت الغداء..
جلس الرجال غير بعيد من العامل.. و قال أحدهم بصوت شبيه بالهمس: ( سدَ الباب).. فالتفت العامل إلى الضيف قائلا: ( اُخرج.. سنسد الباب)... فقال الديماني ( نعم.. سيقع ذلك إذا كان لابد منه)..
كان هادئا موطَأ الأكناف.. (ذا خلق كسلاف بماء).. كما قال الحسني..
بدأ الرجال يجلسون حول المائدة ( الصينية).. عند ذلك التفت (الوزير) إلى الرجل الديماني و قال له.. ألم آمرك بالخروج..؟  و لم ينتظر إجابته.. فأخذ برجله و بدأ يسحبه منها خارج المتجر... فتضاحك الرجال من ذلك و قال أحدهم ( اترك الرجل إنه منا.. ) عند ذلك ضحك الضيفُ و قال: " جُرَ إما كنت جارا... لا تنصت لما يقولون"....
فصارت من المثل السائر في تلك البلاد.. يضربون بها المثل للأمر يُراد تجاوزه و عدم الاهتمام به..
                                                                                                      شفيق البدوي



   

ليست هناك تعليقات: