15 مارس، 2016

الزراعة..... عندما يستنسر غرابها.....



طالعت في موقعكم المحترم المقال المعنون ب( الزراعة تأكل أبناءها)..... بقلم زميلنا الأستاذ محمد يحي ولد إبيبه.. فاستغربت هذا الهجوم مع سبق الإصرار على بعض المصالح الزراعية و الفنية في الولاية من شخص لم أكن أبدا لأنحط به إلى هذا المستوى من التفكير.. خاصة أنه ينتمي إلى فصيلة باتت شبه نادرة من أساتذتنا المحترمين ذوي الكفاءات العالية و من متعاوني الإذاعة السابقين في فترة كانت فيها إذاعة موريتانيا تبحث عن الكفاءات و تجعل من أصحابها ضالتهم المنشودة..
نعم... لقد كان الأستاذ ولد إبيبه أستاذا و صحفيا و لكنه لم يكن أبدا من فئة المزارعين و لم يكن من أصحاب التعاونيات القروية و لا من أصحاب الشهادات العاطلين عن العمل.
.
لقد وُظَف في التعليم منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي بوصفه أستاذا للغة العربية و آدابها لا بوصفه مزارعا قرويا.. و لم يكن يوما من الأيام من موظفي وزارة البيئة التي أقبل على تخريبها في أجمل مراعي ولاية ترارزه التي وصل من الإمارات العربية المتحدة بعد مغامرة قادته إلى هناك.. فعاث فسادا في المنطقة الواقعة بين آوليكَ و تنوراته حتى الكلم 17 من روصو على طريق نواكشوط... في منطقة تكاد تصنف على أنها من الغابات المحمية أو على الأقل من المخزون الرعوي في المقاطعة حيث انتجاع كل المنمين هنا..
لم تكن حجة ولد إبيبه مقنعة عندما قال إن " الإدارة هي من سلطته على هذا العمل الهدام بحجة تنظيف مزرعة في شمامه.." كما لم تكن حجته مقنعة عندما مثل أمام قاضي التحقيق إثر شكوى تقدم بها القرض الزراعي ضده عندما امتنع من تسديد ديونه المستحقة عليه فرد بأنه لن يسدد حتى يسدد كبار رجال الأعمال الذين يطالبون بمئات الملايين في إطار تمويل القرض للزراعة..
لم يسدد ولد إبيبه أوقية واحدة من هذه الديون.. حتى شمله العفو الذي قامت به الدولة عندما مسحت لوحة 10 مليارات من الأوقية كان القرض الزراعي يطالب بها مافيا من من عرفوا بالمزارعين.. وتمت تصفية القرض الزراعي لتقوم هيئة صندوق الإيداع و التنمية بمهمة تمويل الزراعة و بصيغة جديدة و افق عليها المزارعون مع دعم الدولة لبعض المدخلات و تأطير التعاونيات الزراعية..
كان الأستاذ محمد يحي هنا.. و كانت مزرعته التي رفض الأهالي قيامها في مناطقهم الرعوية تعد ملفا من أجل الاستفادة من هذا التمويل و قبول كل الشروط التي اشترطتها خلية تمويل الزراعة على المزارعين..
لم يقل يومها إنه لن يقبل كل الشروط إلا إذا قبلها المزارعون الكبار.. فقد كان (سيزيف) الزراعة دون منازع... يرفع الحجر ليعود إلى السفح و ينتظر من الآلهة أن ترفع عنه هول المعاناة.. لكن هيهات..
لقد تنكر لهنته بوصفه مدرسا للغة العربية و صار مولعا بالأرقام.. الأرقام القياسية التي ضربها في مغالطة هيئات القرض و الميكيافيلية التي ترسخت في عروقه منذ جاء خالي الوفاض من بلاد الخليج الفارسي..
لم تكن الأرقام التي يتحدث عنها ولد إبيبه جديدة على وزارة الزراعة.. فقد تحدث عن بعض هذه الأرقام أمام رئيس الجمهورية.. و أرعد و أزبد.. حتى قاطعه الرئيس عندما لاحظ أن هذه الأرقام لا تقوم على أي منطق و لا تنطلق من أي أساس فني.. فقال له: " احتفظ بأرقامك لنفسك.." فانسحب يجرر أذيال الهزيمة.. و ابتلع هزيمته فأراد أن يتقيأها من جديد بذكر أرقام عن الحملة الزراعية المعاكسة لموسم 2016 و هي الحملة التي لم تنته بعد و لم تعرف المصالح الفنية كيف تقدر مجموع المساحة التي ستزرع فيها..
لقد نسي ولد إبيبه أو تناسى أن الدولة رفعت اليد عن ملف التسويق و أن لم تعد مسؤولة عن الماركتينغ التي يقوم بها أمثاله من أشباه المزارعين من أجل تسويق الأرز الخام السنغالي لأصحاب المصانع الخصوصية بعدما اشتروها بثمن بخس في عتمة التهريب من ضفاف نهر صنهاجة ليوهموا من لا يمكن إيهامه أنهم حصدوا ذلك المنتوج من مزارعهم التي لم يزرعوها في الأصل..
لم يكن يوما بدعا من هؤلاء السماسرة الذين يبيعون طن الأرز الخام بأقل من 70 ألف أوقية لأنهم اشتروه من بائسين مهربين بما يقارب نصف تلك التسعرة..
لقد رفعت الدولة يدها عن تسويق المنتوج عندما  لاحظت أن تلك المحاصيل لم تحصد من الضفة اليمنى للنهر.. و أن اقتصاد السوق الذي تم اعتماده في البلاد منذ قيام الجمهورية الثانية يقتضي حرية البيع و الشراء بين البائع و الشاري..
لقد رفعت  الدولة يدها عن آليات الاستصلاح و الحصاد لصالح المزارعين عندما بلغوا سن الفطام فهل إن ولد إبيبه ما زال رضيع لبان ثدي استجداء در مؤسسات القرض و المماطلة في التسديد؟
هذه المماطلة في التسديد جعلت بعضهم بالفعل, كما قال الأستاذ, يلجأ إلى الاقتراض من الخصوصيين و بفوائد و شروط ربما وصلت إلى حد الإكراه الجسدي لأن اصحابها لم يكونوا و لن يكونوا أبدا أوفياء بالتزاماتهم.. لقد عانى هؤلاء الخصوصيون من مماطلة زبنائهم المفترضين حتى لجأوا إلى القضاء كما لجأ إليه القرض الزراعي قبلهم.. و صار بعضهم يحصر عملية الحصاد في المزارع عساه يستعيد بعضا من أموالهم التي استحوذ عليها هؤلاء الديماغوجيين بذريعة الاستثمار في الزراعة..
لا أستطيع هنا أن أظلم أولئك المزارعين الذين فهموا هذا النشاط حق فهمه و ارتبطوا بأرضهم فحصلوا على خيرات أرضهم و ما زالوا مستمرين حتى صاروا يمولون تمويلا ذاتيا.. فمنهم من يعد البذور من مزرعته و يشتري الأسمدة من ريع حصاده و ينفق على محروقاته من جيبه الخاص.. لأنهم ارتبطوا بالأرض و ربما كانت أرضا تركها لهم الأجداد فارتبط مصيرهم بها و سيورَثوها أولادهم و أحفادهم من بعدهم..
فهل ارتهن هؤلاء يوما مزارعهم لدى أي هيئة تمويل للزراعة و هل غالط هؤلاء يوما من أجل الحصول على المدخلات الزراعية..؟ كلا..
هل سوَق هؤلاء يوما أشجار مزارعهم ( المفترضة) لمنتجي الفحم من أجل تخريب البيئة و الحصول على مبالغ زهيدة متذرعين " بتسليط من الإدارة؟.... كلا..
هل حاول هؤلاء يوما دغدغة مشاعر بعض الطبقات الهشة من أجل حشد الدعم لمن يسبحون ضد تيار النهضة الزراعية..التي تعرفها منطقة شمامه و أعلي النهر؟.. كلا..
نعم هنالك غربان يستنسرون من أجل إيهام السلطات بأنهم مزارعون مخلصون و يستحقون كل الدعم و التشجيع.. و لكن أي دعم أكبر من العفو عن 10 مليارات من الأوقية كانت مستحقة على هؤلاء؟
أي دعم أكبر من تمويل النشاط الزراعي بجميع المدخلات لما يربو على ثلاثين سنة دون أن يقتنع المزارع بنشاطه إن لم يكن ممن " يحبون العاجلة و يذرون الآخرة"؟
أي دعم أكبر من توزيع الأراضي الزراعية المستصلحة على حملة الشهادات العاطلين عن العمل و توزيع الأبقار الحلوبة عليهم و فتح أبواب القرض الزراعي أمامهم؟
أي دعم أكبر من إقامة المزارع النموذجية في (بكِمون) و ( دخلت انتيكان) و حتى.. ( بيلان) قرب دار البركه في ولاية لبراكنه..؟
أي دعم أكبر من رفع الضريبة الجمركية على الأرز المستورد من أجل تشجيع المنتوج المحلي؟
فلو أن قومي أنطقتني رماهم                نطقتُ و لكن الرماح أجرَت!
لاشك أن الأستاذ و الباحث و الصحفي محمد يحي ولد إبيب يدرك أن الدولة الموريتانية تدرك جيدا أهمية الزراعة و أهمية الاستراتيجيات الزراعية و التجارب المختلفة في المجال.. و خير دليل على ذلك هو التجربة الزراعية التي ما زالت جارية حول زراعة القمح..
كما أنه قد يدرك أن فنيي الزراعة في مندوربية ترارزه و مزرعة امبوريه غير مسؤولين عن فشل تجارب المنتوج الأجنبي من أجل الحصول على يومية الأسرة..
نعم... قد يظن بعض هؤلاء أن مسؤولي الزراعة في الولاية يولون عناية خاصة لبعض التعاونيات القروية لأنهم أدركوا جديتهم في هذا النشاط خلال تجربتهم معهم... و لكنهم غير مسؤولين عن كَزنوفوبيا الششوفنيين ضد عنصر من عناصر مجتمعنا.. و هو ما صار العقل السليم يمجه و الدولة تحاربه و المنظوبة الدولية تترصده و بعض الانتهازيين يتاجرون به..
                                                                                                                                 س. يعرف   



ليست هناك تعليقات: