10 يوليو، 2014

العاشر من يوليو من خلال مذكرات الرئيس/ المختار ولد داداه_ رحمه الله..


"فى ليلة الاثنين العاشر من يوليو، كنت نائمًا بمفردى فى غرفة النوم الموجودة بالطابق العلوي من القصر الرئاسي، فى حين كانت مريم فى سفر إلى دكار على رأس وفد من النساء الموريتانيات للمشاركة فى مؤتمر للحقوقيات. وكانت نفيسة ترعى أطفالنا الثلاثة وهم نيام فى غرفتيهم الكائنتين فى نفس الطابق العلوي الوحيد بالقصر. وفى حدود الساعة الرابعة صباحا، استيقظت على أصوات عدد من محركات السيارات تتوقف أمام المنزل قرب سارية العلم. وقد استنتجت من هذا الحضور الغريب أن الأمر يتعلق بغاصبين. وعندها نهضت وارتديت الملابس الوطنية التقليدية. وما هي إلا لحظات حتى دق باب غرفتى، ففتحت فإذا أمامى مرافقى العسكري الملازم الأول مولاي هاشم ومعه شاب آخر فى نفس الرتبة لا أعرفه. وقد علمت فيما بعد أنه الملازم الأول المختار ولد السالك أخو الرائد جدو ولد السالك. ويرافق هذين الضابطين ثلاثة جنود مسلحين. وقد خاطبنى الملازم الأول مولاي مؤديا تحية عسكرية خاطفة، ولا إرادية فيما يبدو، قائلا بتلعثم وعصبية شابها أدب: " السيد الرئيس، لقد سحب منكم الجيش ثقته فلتتفضلوا بمرافقتنا". وفى هذه اللحظة انتابتنى رغبة عابرة للشروع فى نقاشات قانونية لتوضيح أن الجيش لا يستطيع انتزاع ما لا يملك، وأن عليه أن يلتزم حدود الشرعية القانونية. ولكننى عدلت تلقائيا عن الفكرة التى خطرت بي ولم أنبس ببنت شفة. وتابعت خطا زوارى حتى هبطنا إلى الطابق الأرضي حيث كانت سيارة لاندروفير فى انتظارنا ملاصقة لباب الصحن. وأثناء صعودى إلى السيارة، طلبت من مرافقي أن يذهبوا بأطفالى، بعد استيقاظهم إلى منزل أختى أمامه وابن خالى أحمدو ولد محمود لابراهيم.

ثم ركبت إلى جانب السائق الذى ارتعش بقوة لدرجة أنه لم يتمكن من تشغيل المحرك رغم ما أحدثته رزمة مفاتيحه من ضوضاء، ولذا طلبت منه أن يهدأ. واستطاع فى النهاية أن يشغل المحرك وينطلق. وكان الملازم الأول المختار يجلس خلفى ومعه جنديان. أما الملازم الأول مولاي فكان أمامنا فى سيارة لاندروفير تتقدم الركب. وتبعتنا مجموعة من سيارات لاندروفير. وقد سارت القافلة عدة كيلومترات على طريق الأمل قبل أن تحول اتجاهها إلى مقر الهندسة العسكرية المعروف اختصارًا ب"جيني". وفى الطريق انحنى الملازم الأول المختار نحوي قائلا فى أدب وتأثر باد من الصوت: " السيد الرئيس اطمئنوا فلن يصيبكم أي مكروه". فأجبت قائلا: " لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
ولاحظت فور وصولنا "جيني"، الواقعة وقتها على بعد بضعة كيلومترات جنوب شرقي نواكشوط، وجود كثير من الجنود فى حالة تأهب عند بوابة المعسكر وحول كتلة البيوت حيث يوجد المكتب الذى آواني قرابة ساعتين، وهو على ما يبدو مكتب قائد المعسكر. وقد بقيت فى هذا المكتب وحيدا جالسا على كرسي أشعر براحة بال تامة منذ البداية.
ويحرس المكتب جنديان ملثمان يقفان طورا ويمشيان طورًا آخر أمام الباب. وعند بزوغ الفجر طلبت وَضوء، فأحضره أحد الجنود فى إناء ومعه حوض بلاستيكي ومنشفة. ثم قدم لى غطاء نظيفا يحل محل سجادة للصلاة. وبعد أن أديت الصلاة، اقترح علي بالإيماء أن أستريح على سرير من أسرة المعسكر وضع فى زاوية من المكتب. والغريب أن هذا الجندي المهذب فى سلوكه لم يسألنى ولم يجبنى إلا بالإشارة، فلماذا؟ لا أدرى. وعلى كل فقد أجبته نطقا أنى لا أرغب فى الاضجاع، ولا أشعر بالنصب. ولذا أفضل البقاء جالسا فى الكرسي أفكر فى هشاشة كل ما هو بشري وضعفه…
وفى حدود الساعة الثامنة وقفت أمام المكتب شاحنة صغيرة مغطاة من طراز 404 أو405 وطلب منى أحد حارسي المكتب فى أدب، وبأسلوب الإشارة دائما، أن أخرج من المكتب واستقل السيارة. وهكذا جلست بجنب السائق الذى كان ملثما هو الآخر. وفى الخلف ملازم أول شاب وعدد من الجنود المسلحين. وقد لاحظت أثناء عبورنا لجزء من المعسكر أن وضعية الجنود لم تعد على ما كانت عليه إبان وصولنا. وتوقفت السيارة أمام فيلا زينت بعض أجزائها أزهار نبات الجهنمية. وكان ينتشر من حولها العديد من الجنود المسلحين.
وأمام هذه الفيلا، استقبلنى قائد المعسكر النقيب آتيى بأدب وأدى لى خلسة تحية عسكرية لا إرادية، فيما يبدو، على غرار ما وقع للملازم الأول مولاي.
أما ما يتعلق بسلوك العسكريين تجاهى خلال فترة اعتقالي (من 10 يوليو 1978 إلى 2 أكتوبر 1979)، فالحق أقول إننى لم أتعرض فى أي لحظة لأدنى تصرف غير لائق من حراسى فى السجن. فلم يخطئ فى حقى أي عسكري، ضابطا كان أو ضابط صف أو جنديا، بل إنهم على العكس من ذلك عاملونى بإجلال. فقد ظل كل واحد منهم يبرهن حسب أسلوبه ودرجة تحضره على ما يكنه لى من احترام.
من مذكرات أب الأمة الراحل المختار ولد داداه

ليست هناك تعليقات: