6 مايو، 2014

مرايا قاتمة.... في الحوار الوطني... الحلقة الأخيرة..

... تقدم سارج الأمير بخطوات وئيدة إلى الفرس و أخذ في إعداد السرج و هو ينظر في وجه الأمير الذي سرت إليه عدوى وجوم الجماعتين المتحاورتين.. لقد صرح في وقت سابق أنه سيرحل.... و لكنه لم يقل..( فهمتكم.... فهمتكم....) قبل ذلك..
كان بعض الحاضرين يمازح السارج بصوت خافت قائلا: " لا تتسرع.. فلا شك أنك لست جائعا.. و أن الجفان التي أعدت هذا الصباح ما زالت منها بقية كافية للعشاء..."
يريد بذلك أن يستبقي الأمير وقتا أكثر عسى يكون انفراج لهذه الوضعية الحرجة...
عندما يريد الأمير الرحيل يضرب الطبل... يضرب الطبل للضالة و للقدوم و لكنه يضرب أيضا للرحيل.. يقول يكَوى الفاضلي:
ضربوا الطبل للرحيل ثلاثا                      و استمروا يقوضون الأثاثا

ثم شدوا رحالهم فوق بزل                        من بنات الجديل لسن غراثا
قدَموا الخيل و العتاق تليها                        صوب تنواكديل تهوي حثاثا
فإذا ضل أو تخلف  ركب                         ضربوا الطبل عند ذاك ثلاثا...
لم يضرب الطبل بعد.. و لم يقل أحد المتحاورين:"..... نريد الرهيل.." و مع ذلك فقد بدأت إرهاصات الرحيل في عدها التنازلي..
فكَر أحد الحاضرين أن ينسحب إلى ربوة عالية من رمال لخشوم و يصدح بنداء للصلاة... إنها فكرة قد تنقذ الموقف.. قد تجعل حدا لتكميم الأفواه الذي سرت عدواه إلى كل شيء هنا...
لم يعد يسمع في الحي صياح الديكة منذ فترة.. و لم يعد البوم يطالب برد إبله آخر الليل.. ( قالوا إن إبله ضلت منه فصار يبحث عنها و كلما سمع صوتا ظن أنه صوت أخفافها فطالب بردها إليه..)
جانب من الميثولوجيا الشعبية قد يكون له أكثر من دلالة.. فهذا الطائر الذي يعيش في الأماكن الخربة صار يوصف بالخرف من هذا المجتمع الذي لا يسمامح الخرفين... قال رئيس بلاد الواق واق في إحدى خطبه إن الثورة تليق بالشباب و لكنه لا يسمح بها للعجائز الخرفين...
لم تعد البقرة الحمراء التي قضت يومها ترتع في الحقل تخور عندما تسمع صوت ولدها الذي أحس بعودتها بعد أن " تذكرت مرابطها في بربعيص و ميسرا..".
لقد أصبح الفرس جاهزا و كانت خيالة مرافقة للأمير قد أسرجت بدورها كل خيولها..
لقد استراح الرجل الذي كان يداعب سيقان الأمير منذ الصباح... 
تقتضي بروتوكولات بعض الأمراء أن تكون مخداتهم بشرية... نعم يتخذون شخصا من رعيتم وسادة عندما يريدون الاستراحة..
و أن تسرَح لممهم و تدهن كلما نزلوا بحي من رعاياهم...
أخذ نفسا طويلا من غليونه و أعاده إلى عامله المخصص لإعداد الدخان... و انتفض واقفا... إنه يريد المغادرة!
عندما وقف أمام الخيمة كانت النظرات تتجه إليه.. لم يكن هنالك من يستطيع إستبقاءه.. 
فوجئ الجمع برجل من الوفدين المتحاورين يتقدم إلى الأمير.. كان الرجل فارع القامة قاتم البشرة مغطى الرأس بما يقارب 30 مترا من القماش الأسود و يرتدي فضفاضة زرقاء يفتح لونها قليلا عن أخرى قاتمة تتدلَى حتى تصل ساقيه الطويلتين.. قبل أن تفسح المجال لخفيه الأبيضين اللذين صمما على قدميه العملاقين...
كانت شفتاه الغليظتان ترتجفان قليلا فيظهر ما يشبه البرص في شفته السفلى.. قالوا إن ذلك ينتج عن مص عظام السمك.. لكن ذلك غير صحيح.. قد توجد هذه السمة لدى من لم يذق سمكا في حياته..
قال بصوت مرتعش في البداية و جهوري بعد نبراته الأولى: " أيها الأمير سأطرح عليك سؤالا واحدا قبل أن تتركنا... البقرة الحلوب إذا عادت في المساء حافلا و تقدم إليها الحالب و أطلق ولدها و نادى باسمها.. تقول (امبوه) أم لا تقول (امبوه)...؟"
و قبل أن يردَ الأمير على الرجل نهض رجل من الجانب الآخر.. كان بشرته تميل إلى البياض و لكنه جبينه كان مائلا إلى السواد نظرا للثامه النيلي الذي أفرجه قليلا عن مقدمة أنفه و شفتيه... و ردَ على السائل قائلا..." نعم.. تقول امبوه.. و لكننا نحن لا نقبل أن (يبيَت) فينا الكلام.. أيها الأمير: سائس البقر (أنمراي) إذا عاد مساء إلى منزله و هو في غاية الجوع و قدمت له السيدة بعض الزرع يتلمَظه و كان في حجر و وقع بين أضراسه القوية يقول ( كر) أم لا يقول (كر)..؟"
فرد عليه الرجل الأول.. نعم يقول كر.. 
عند ذلك تواقف الجمعان و عانق بعضهما البعض قائلين إنه لم يعد فيهم من يغاضب صاحبه.. كل ذلك و الأمير ينظر إليهما قبل أن (يرحل) متأكدا أن الوحشة بين الحيين قد زالت إلى الأبد..
ملاحظة: كل اتفاق في الاسم أو الوسم مع شخص مَا فهو عن قصد من الكاتب).....
                                                                                                            شفيق البدوي..

ليست هناك تعليقات: