25 يونيو، 2016

جدلية الماضي و الحاضر......


لغة واحدة يتقنها كل من ينتسب لهذه البلاد... كل من يعرف بصفة موريتاني.... سواء كان لون ذلك الشخص أو جنسه أو مستواه العلمي أو جهته أو لغته الأم.... إنها لغة الوضوء و الصلاة...
تبادر روكِي التي هي عاملة منزل بسيط إلى إناء الماء و تجلس متجهة القِبلة... تغسل يديها ثلاثا متيامنة الإناء, ثم تتمضمض و تستنشق و تستنثر... تنهي وضوءها مرتبة الفرائض و السنن... ثم تدني عليها من جلبابها و تؤدي الأركان الفعلية لصلاتها...و لا أستطيع أن أجزم بتأديتها للأركان القولية...كما أنه ليس باستطاعتي نفي ذلك...
تنحدر روكِي من أقصى الجنوب الموريتاني... لم تدخل المدرسة
قط.. لم تر العاصمة نواكشوط... زارت عاصمة الولاية منذ أقل من شهر للمرة الأولى...
يصعب على أهل المنزل الذي تعمل فيه روكي التفاهم معها...لغتها البولارية غريبة هنا لدى الأسرة... و روكِي لا تتكلم الحسانية و لا الولفية و لا السوننكية... و لا تعرف مفردة واحدة من الفرنسية... إنها بنت الريف بامتياز...
الأسرة التي تنتمي إليها روكَي هي أسرة منمين بسطاء... من ملَاك البقر الأبيض, ذي الروق الطويل و المخطط, تارة,  بخطوط تشبه خطوط النمر...
أسأل روكَي عن الحمَام هل هو جاهز... ترد علي بابتسامة البلهاء... أسألها عن الشراب بعبارة تجمع بين الحسانية و الولفية و البولارية و الفرنسية و لغة الإشارة.... تفهم أخيرا...
ما كان ينبغي أن يعبر عنه خلال ربع ثانية تم التعبير عنه في دقيقة كاملة...
أطلب منها ماء للوضوء بإيماءة بسيطة فتقول لي: " إصلاه.." و تفهم في أقل من ثانية...
أشير لها بإيماءة بسيطة على شكل تكبيرة إحرام فتهب و تؤدي الفريضة...
لدى هذه الفتاة ذات الأقل من عشرين سنة كل الاستعداد لأداء عملها الذي تتقاضى عليه راتبا يقل بكثير عن رواتب مهنيي الكرة المستديرة في ( برميير ليكَ)..
لم تتأت الدراسة النظامية لروكِي و لا لأبناء قريتها.. مع أن مدرسة مكتملة البنية توجد على أقل من خمسة كيلومترات من قريتها... لقد فاز أبناء عمومتها المجاورون بهذه المدرسة على حساب ذويها..
تذكرني محنة الفتاة و ذويها بالتنافس الشرس الذي جرى بيننا مع أبناء عمومتنا للفوز بمدرسة نظامية في منتصف ستينات القرن الماضي..
لقد أجبر هذا التنافس مجموعتنا القبلية للتجمهر حول البئر و تشييد بعض الدور التي لم تكن للسكن, في البداية, على الأقل.
أُخذنا من المحظرة القرآنية عند الصباح و جيء بنا إلى تلك القاعة التي ما زالت رائحة الإسمنت  المبلل تتصاعد منها...
سيارة بيضاء صغيرة من نوع لاندروفير تتوقف أمام القاعة و ينزل منها رجلان عرفتُ في ما بعد من رجال الحي أنهما مفتش التعليم بالولاية السادسة  و أحد أعوانه... لقد جاءا هنا ليطلعا على عدد التلاميذ المهيئين للتمدرس  في الحي...
التنافس بين شيوخ القبيلة شرس, كل منهم يريد الفوز بهذه الحجرة الدراسية في حيَه..يراهن كل منهما على حشد أكبر عدد ممكن من التلاميذ...
القاعة وحيدة ... و تحوي ثمان طاولات للجلوس, لا تزيد.. و سبورة وحيدة و كرسيين للمعلمين... و صندوقا يحوي بعض الأدوات المدرسية... من بينها المحابر و علب الحبر و الدفاتر و الكتب المدرسية... كنا نجلس بواقع ثلاثة تلاميذ على الطاولة الواحدة... يتطلب ذلك من رجال الحي إحضار 24 تلميذا في سن الدراسة... لقد فازوا, كنا نناهز المائة..
جلس الصغار على مقاعد الدراسة... فكرت أن أجلس فوق المنضدة... تسلقتُ الكرسيَ و جلست فوق الطاولة... ضحك بعض الرجال من العناء الذي بذلته من أجل هذه الجلسة التي جاءت في غير محلها... أخذني أحدهم من ساعدي.. و رفعني عاليا... فوق رأسه... و أجلسني بهدوء على الكرسي...
عندما انصرفتْ البعثة عدنا إلى ألواحنا... و قد صرنا نُتقِن كلمة واحدة... هي..( صافا)...
بقيت أسماؤنا على اللائحة و عدنا نحن إلى المحظرة...
كانت الظروف تتطلب من ذوينا العودة بنا إلى المدرسة كلما جدَ جديد بشأن المفتشين... و كنا نتقاضى منحة دراسية  تصل تارة إلى 6000 إفرنك إفريقي لكل ثلاثة أشهر...
بعد ثلاث سنوات من هذه الوضعية قرَر ذوونا استمرارنا  في المدرسة بصورة فعلية....
أرسل لي أخي الأكبر, رحمه الله, و هو في السنغال,  رسالة تضمنت بذلة من ( الكاكي) و بعض الدفاتر و محفظة و أحذية جلدية... و كتبَ في الرسالة المرفقة ما يفيد أن هذه الأشياء تسلم لي لأدخل المدرسة تلك السنة... كانت تفصلنا عن الافتتاح عدة أسابيع... جاء أبي بالرسالة... و قال لي: " لقد صرت كبيرا... و ستدخل المدرسة... و لكن لا تنس لوحك.."
كانت تلك الأسابيع طويلة بالنسبة لي.. كنت أسأل الأهل و الأصدقاء كم يفصلنا عن الذهاب إلى المدرسة... أعد ذلك في أصابع اليد و اليدين و ألجأ تارة إلى أصابع الرجلين...
صرت أحسب من 1 إلى 10 باللغة الفرنسية... و لكن مع نطق مكسر...
اعتمد سيدي ولد أعمر و من بعده شقيقه أحمد للديد  في تدريسنا على المقاربة الكلية...
كنا ندرس كتاب (سيلابير)... و نقلد الرسوم التي تحكي القصص الإفريقي و الملغاشي...
ثم كتاب ( ممادو و بينتا)... كما اعتمد أبناء محمذ فال ولد أوفى محمدو ( إبده) و من بعده أحمد سالم ( بديه), رحمهما الله... على كتاب( كتابك يا ولد).. و بعض كتب القراءة و المحادثة من المناهج اللبنانية...
كان بديه عذب الصوت... عندما يترنم لنا بالنشيد بصوته الوديع نحاول, عبثا, تقليده... كانت له نزعة صوفية قادرية... جعلتنا نميل كلَ الميل إلى ترانيمه... خاصة منا أولئك الذين عهدوا هذا النغم الشجي عند ذويهم مثلي... و كثيرا ما حفظتُ المحفوظة أو النشيد من قراءة واحدة...
هذا فضلا عن حسن الخط الذي يتميز به معلمونا جميعا... و جمال الرسم عند سيدي ولد أعمر...
أتذكر الآن مجسَم رأس الحمار الذي كان يعلقه في قميص من منا لم يحفظ درسه... و أظن أن أحد المديرين المركزيين في وزارة المالية الآن يتذكر ذلك.... كما يتذكر أحد رؤساء المصالح في وزارة الصحة تلك الكلاليب التي كان يهددنا بها أحمد للديد ولد أعمر... الذي مكث حوالي ثلاثة أشهر و هو يدرسنا في السنة الأولى تحضيرية دون أن يضرب منا أحدا...
كنا نخافه... و نطلق عليه صفة المدير... كما أطلقناها على معلمنا في السنة الموالية الطالب مصطف... و كثيرا ما أثار ذلك معلم العربية الذي يريد أن يقنعنا أنه هو مدير المدرسة الفعلي..
سيحدثني, فيما بعدُ, سيدي ولد أعمر عن الحي الذي درَسنا فيه... و يتساءل عن بعض الخِيَم.. ممن أطلق عليها في الحي اسم ( البيت الأبيض) و بعض الرجال ممن أطلق عليه اسم ( نيكسون)... و بعض الشباب ممن أطلق عليه اسم ( الفار) أو ( الفأر)...
 أمضيتُ عدة أشهر و أنا أستمتع بتلك الرائحة القوية التي تنبعث من بذلة الكاكي عندما أرتديها.. أو عندما أتعرَق فيها... كنتُ أحسَب أن  تلك الرائحة هي رائحة الحضارة أو الترقي... كما سنسميها لاحقا...
الليلة التي سبقت ذهابي للمدرسة كانت طويلة جدا...سمعتُ لأول مرة العبارة القرآنية ..( أليس الصبح بقريب) من والدتي... التي أيقظتُها منتصف الليل.. و أنا أرتدي بذلتي الجديدة و أهيئ محفظتي.. كان بها بعض الدفاتر و بعض الأغلفة..
لا شك أن الظروف التي أتيحت لي لم تتح لعاملة المنزل روكِي...
لم تكن, في أغلب الظن, من الأرقاء السابقين... و مع ذلك فهي تعاني معاناتهم... رواسب العبودية... من جهل و فقر و تخلف..
هل تعمل وكالة التضامن على تضييق الهوة الفاصلة بينها و بين بنات جيلها من مكونات المجتمع الأخرى؟
هل تعمل وكالة التضامن على جعلها تتقاضى راتبا غير الراتب الزهيد الذي أقتطعتُه لها من مخصصي الشهري؟
هل تعمل الوكالة على جعلها تعرف ما كنتُ أعرفه و أنا في سنَها؟
هل يمكن أن تكرس هذه الوكالة فكرة المثقف العضوي عند المفكر الإيطالي غرامتشي؟
المثقف العضوي الذي هو صورة مصغرة لمجتمعه... يعرف كل ما يعرفه المجتمع...
إنه ليصعبُ على الوكالة أن تضع حدا لتلك المعاناة لعدة أسباب.. منها... أن أصحاب المعاناة أنفسهم لا يريدون وضع حدَ لها...
لا ينقصُ روكَي, و هي في منزل أهلها في ريف لبراكنه أن تشرب أو تأكل أو تنام... و لكن ينقصها أن تجد من يريدُ لها أن تتعلَم.. أن تخرج من منزلتها التي فرضها عليها المجتمع.
مقاربة النوع أحد مفاهيم أهداف الألفية التي تغيب هنا....
تحتلب المرأة, من مجتمعها,  البقرة  و تُعد الوجبات و تذهب لبيع فائض الحليب... و تعود لتغسل الثياب و تُعد الأفرشة... و تحضر الماء من مصدره... و تعتني بالأطفال.. بينما يجلس الرجل في البيت منتظرا أوبتها لتُعد له الشاي و الشراب و الأكل بصفة مستقلة عن الأبناء...
هل هي صيغة جديدة من المجتمع البربري الأمومي... الذي تسيطر فيه المرأة على الرجل... ؟  أم هي صورة من المجتمع العربي الأبوي؟ الذي يسيطر فيه الرجل؟
مهمة الرجل تقتصر على سياسة القطيع  و العناية بالحقل, إن وجد, و شراء الميرة من خارج القرية...
يحتوي قطيع البقر عند هؤلاء على  مجموعة هامة من الثيران العملاقة.. التي تمت العناية بها بصورة خاصة منذ أن وُلدت ... لقد تُركت ترضع أمهاتها.. و ترعى معها ... حتى شبت و هي قوية البنية.. و كثيرة التوحش... تكاد لا تُصنف هذه الثيران من الحيوانات الأليفة... بل يقال إنها تتصف بكَزنفوبيا معينة ضد عنصر معين...
إنها بيض النَعم في مقابل... حُمُر النَعم....
يعوَل ذوو روكَي على قوى خارقة للتعامل مع هذه الثيران و البقرات العصيات... مستوى من الدربة وصل حدَ السحر...
حدثني أحد كتاب الضبط أنه  ذهب إلى عمَه قرب كنكوصه في ولاية العصابه... و كان يبحث عمَا يعينه على دراسته... فأعطاه عمه بقرة من هذا الفصيل... و ما كاد يخرج من الحي رفقة زميله حتى بدأت تهاجمهما... لاذا بالفرار.. و بقيت البقرة تنظر إليهما شزرا.... و أخيرا رأيا شيخا من مُلاك البقر الأبيض ذي الروق الطويل... قال لهما... إن كنتما تخافان من هذه البقرة فادفعا لي 20 أوقية.. و سأسوسها لكم...وافقا, يقول كاتب الضبط.. فقام (التيرنو)  إلى البقرة...تقدم إليها.. و هي لا تحرك ساكنا... حتى أمسكها من أذنها... و تمتم بكلمات... ثم نفث في الأذن الأخرى... و سأل... أيكم مالك البقرة....؟  فقال له الكاتب أنا... فقال له اِذهب إلى حيث تقصد فإن البقرة ستتبعك أنى يممتَ.. و أرسلها... يقول كاتب الضبط... فأخذتْ تسير خلفي بكل هدوء و أنا أساير زميلي حتى دخلنا المدينة... فذهبتُ بها إلى السوق.. و بعتها ... و أمسكتها من أذنها للمشتري حتى قيدها .....
يقول بعض هؤلاء إنهم ينحدرون من سلالة عربية...و لاشك أن سلوكهم يتواشج مع سلوك المجتمع العربي في الصحراء...
حدثني عالي بارا... و هو من شبابهم... قال لي: " مجتمعنا يشبه مجتمعكم.... فنحن عندما نحيي أحدا عند الصباح نقول ( كيف مبيتكم..) و أنتم كذلك تقولون ... و عندما نحيي في المساء نقول ( كيف مقيلكم) و أنتم كذلك تقولون...
أنتم تتسمون بالحياء مثلنا... و نحن مجتمع شديد الحياء... ألا ترى أن الرجل منا قد يقضي حياته و هو لم ير قط والد زوجته... و عندما يراه يهربُ منه..."
يتندر هؤلاء على البولار و يقولون إنهم عبارة عن أبناء عمومة لهم فقدوا أبقارهم... و أن الفلاني الذي فقد بقره يصبح بولاريا... أي بائسا...
لا شك أن روكِي و ذويها يشعرون بالترفع على معظم مكونات المجتمع... قد ترى البقر الأهلي يباع في السوق بكثرة... و لكن نادرا ما يباع الثور الفلاني في السوق...
قال لي أحدهم إن هذا البقر يدَخر لنوائب الدهر...ليس منه الفحول التي تترك في القطيع.. و إنما هو أساسا من الخصيَ... الخصي التي كبُرت و نمت بشكل مغاير حتى صارت تشبه عماليق البقر الوحشي...
يصعب على عتاة الجزارين التعامل مع هذا الثور السوبرماني... فلسفة القوة حاضرة بكل ما أودعها نيتشه من نظريته...
عندما تسأل الفلاني عن ثمن بقرة... يرد عليك... ( بكَره فولان ماهو بيعي...) ( بقر الفلان لا يباع...)..
نوع من التعالي يتصف به الفلاني و بقره...
قلَ أن ترى الفلاني أعزل... لا بد أن يحمل سيفه أنى حل و ارتحل... أو يحمل معه عصا إن كان في المدينة...
كما يندر أن تجد الفلاني الذي لا يمتلك قطيع بقر....
لا أعرف كيف استطاع أحد وجهاء حيَنا الحصول على بقرتين من هذا البقر في قرية بغداده على الضفة الموريتانية المقابلة لمدينة ريشارتول السنغالية...
جاء بالبقرتين إلى الحي... تركهما لمدة... ثم أراد أن يضع عليهما ميسمه.... 
كان تاجر الحي من جيل الرجل... و لكنه كان دائما يتحفظ من مرافقته عندما يريد الإشراف على شراب البقرتين عند البئر التي لا تبعد سوى أمتار قليلة من المتجر...
كنا في ذلك اليوم نتطلع  إلى الطريقة التي سيتعامل بها ساسة البقر مع هاذين الكائنين الغريبين....
طالما تفاخرنا في ما بيننا بهؤلاء الساسة...إنهم أقوياء... مهرة... مرهوبو الجناب... محترمون لدى الملَاك... يعرفون كيف يُمسك بالثور القوي... يتنافسون في ملء دُليهم إذا نضب ماء البئر...و يتنافسون في الإمساك بالثيران القوية من ذيولها... و بفحول الإبل...
يحتفلون لذلك بصورة عفوية بلعبة العصا.... لا تسمى عندنا لعبة السيف... و إنما العصا... نحن مجتمع أعزل...
يأخذ أحدهم العصا و يقذفها إلى الأعلى كأنه  يطلب المبارزة و يلتقطها بمهارة قبل أن تصل الأرض.. لعبة استعراضية بامتياز  ... يبرز له نِده... فتشتبك العِصي... متناغمة مع ضرب الطبل و الزغاريد...
عملية الكر و الفر.. تُعرف من خلالها مهارة اللاعبين.... ليس هنالك غالب و لا مغلوب... إنما الاستعراض سيَد الموقف...
تقاس مهارتهم هنا بتسديد الضربات إلى العصا دون المساس باللاعب...
صارت لهم الآن طقوس معينة في هذه اللعبة...تبادل ضربات أولية.. يختلف فيها اللاعبان في الميدان لمدة دقيقة أو اثنتين... ثم يذعن أحدهما لتلقي الضربات بعصاه و ردها خائبة مترَسا بالعصا.... قد يلعبُ أحدهما بعصاوين... و ذلك منتهى المهارة لديهم....
تدخل النسوة تارة بين الغريمين مؤدية رقصات تشجيعية للاعبيْن.... المشجعون هنا ليسوا من ( الهوليكامس)... إنهم مشجعون و مشجعات أساسا ممن تربطهم علاقة نسب  أو صهر بالمتنافسيْن...
تضرب النساء بأرجلهن على الأرض في غير المنهي عنه... مواكبة قفزات اللاعب بالعصا و مصفقة تصفيقاتٍ حارةً متناغمة مع صوت الطبل و ضربات العصيَ التي يُختار لها أن تكون يابسة صلبة... حتى تحدث صوتا قويا....
الجولة بين اللاعبيْن لا تستغرق وقتا طويلا... ثلاث دقائق إلى أربع على الأكثر...ليفسحا المجال للاعبين آخرين....
تجمَع جيل الرجل حول البئر... و جيء بالبقرتين مسُوقتين إلى جدول المياه... تقتضي العملية هنا الإمساك بالبقرتين أولا... ثم صرعهما على الأرض ليمرر عليهما سفود حديد تم إحماؤه في نار وقُودُها..... رجيع البقر و الحطب الرقيق...
في حالة تمرير الميْسم تكون الدابة ممسوكة من رأسها.. مقيدة من أرجلها... محرَرة, نسبيا, على مستوى شقها الذي سيوضع عليه الميسم...
يُشتهر بعض رجال الحي و ساسة البقر بالمهارة في السيطرة على أقوياء القطيع في هذه الحالة... أفسح المجال لأولئك من أجل الإمساك بذيل إحدى البقرات... لا شك أنها, في الحالة العادية, ستحاول التخلص من الممسك بذيلها... ينبغي له هنا أن يغرس رجليه جيدا في الأرض... و بشكل متواز حتى يخفف من سرعتها...
عند ذلك يستطيع الرجال وضع حبل في رجلها أو في قرنيها....
قال لي أحد ساسة البقر إن البقرة إن أمسكت من قرنيها و أديرا إلى الأسفل ... إنها لا محالة ستسقط أرضا....
تختلف القضية في الإمساك بالإبل... فالجمل لا تغرس له الرجلان في الأرض... و إنما يؤخذ بذيله و يراوح الماسك على رجليه في غرسهما في الأرض.. لأن الجمل  قد يرمحُ من أمسك بذيله... و يبرع ( النواشون)... , هكذا يسمون, في رفع رجل الجمل الخلفية مما يعرقل من سرعته... و يساعد على الإمساك به....
ما كادت البقرتان تدنوان من الحوض حتى استشعرتا الخطر....  أطلقتا خُوارا شديدا... كعجل السامري... و بدأتا الهجوم على من كان أمامهما أو خلفهما.... لاذ الرجال بالفرار... و كٌنا, و نحن تنسلق شجرة بجانب البئر, نتضاحك ملء حناجرنا من هروبهم....
أحكم تاجر الحي سدَ متجره... لم يكن من أولئك الذين أجروا عملية الإحماء من أجل الإمساك بالبقرتين...
فُقدت البقرتان بعد هذه المعركة لمدة... و ربما قيل إنما عادتا من حيث أوتي بهما....
بكت فاطمه كِالو, أم أسرة آل عالي بيلا, عندما سألتني عن حال الوالدة... جهلا منها أنها توفيت, رحمها الله.. فرددت بقولي: " ترحمي عليها.." بكت بكاء شديدا... حتى سال دمع نجلها خاليدو الذي كان يُقدمني لها... كانت صديقة لوالدتي... طالما ابتاعت منها الحليب.. و تحدثت معها عن بعض أسر الفولان التي جاورت الحي في وقت سابق....
خاليدو كَالو... الذي مرِض الآن بارتفاع الضغط, كان من اللاعبين المهرة في كرة القدم من حينا...
كنا نسميه و شقيقه إبراهيم.. ب ( ابوله)... أي الفلاني...
يتقنان الكلام بالحسانية كما يتقنها أبناء رجل (السيرير)..  المرحوم ماجيكي افاي... الذي جاء مدينتنا بوصفه موظفا في البريد و المواصلات...
و أبناء الممرض المرحوم سيدي نيانغ... ذلك البولاري الذي يعرف مَواطن من أجسامنا لا يعرفها إلا من يُباح له ذلك...
زارني سيدي مرة و أنا أدرس في الثانوية فقال لي :" إن قلت أية كلمة فإني سأبوح بالسر لتلاميذك..." ضحكت كثيرا و عانقته... كانت له مهمة في إدارة الثانوية .... رافقته ... و خرجت معه مودعا....
ما يقال في آل علي بيلا و آل فاي و آل نيانغ... يقال كذلك في أهل تيام الذين يصعب على مجالسهم أن يعرف أنهم من أصل بولاري...
و الأمثلة على ذلك تتعدد في ولايات الوطن بصورة عامة...
قد تذوب الفوارق بين المجموعات الإثنية في البلد.... و قد تذوب الأسرة أو الأسرتان في مجتمع مغاير.... و لكنه من الصعب أن تذوب الفوارق بين مكونات مجتمع عاش ثقافتين و تكوينين... مختلفين...
و مع ذلك يبقى الرابط الديني أقوى من كل تلك الروابط و تبقى لغته متكلمةً لدى جميع الموريتانيين....
                                                          إلى لقاء...
                                                                             شفيق البدوي...







  

ليست هناك تعليقات: