5 يناير، 2017

تدوينة السواد...

... و السواد هو الشيء الذي لم تتبين معالمه..كرؤية شيء في الظلام.. كما في الحديث الشريف: " إذا رأى أحدكم سوادا بليلٍ فلا يكن أجبنَ السوادين.. فإنه يخافك كما تخافه".. و هو ما يعبر عنه الفلاسفة بإدراك الأشباح قبل إدراك الأبعاد..
و حدثني من نقل عن أحد معاصري الأمير أحمد ولد الديد أنه عند عودته من زيارة الشيخ عبد العزيز بن الشيخ محمد المامي في منطقة تيجريت و كان الأمير في ركبٍ من ثلاثة أشخاصٍ رأى ركبا من بعيد في سواد الليل.. يتألف من ثلاثة راكبين.. فبدأ الرعب يدِب إلى قلوبهم من ذلك الركب.. فقال لهم أحمد.." لا ينبغي لنا أن نخاف من هؤلاء.. فهم ثلاثة.. و لو افترضنا أنهم قتلوا اثنين منا فإنه سيبقى منا واحدٌ، على الأقل، يحدث بالأخبار..".. فزال عنهم الرعبُ.. و عندما تعارفوا تبينوا أن الركب هو ثلاثة مجندين أرسلهم الفرنسيون ليطلبوا من الأمير أن يذهب لإرجاع نعَم استاقها لصوص من منطقة الكِبله... و هي " الفزعة" المعروفة ب" فزعة تكِبه".. و التي يقول فيها الشاعر:
الفزعه فزعت ول الديد ~~ أمجبور أل بيه إخلَ
جاب البل مذكور امن ابعيد ~~ ؤ لاه جايبها من لخلَ..

و حدثني من روى عن الشيخ ولد أحمد عيشه العلبي.. أن المجندين عندما أبلغوا الأمير رسالة الفرنسيين رد عليهم بأنه ليس لديه ظهر للقيام بهذه المهمة.. و عندما وصل بئر " إطويله" وجد صديقا له من قبيلة " تاكِنانت" .. فقضى معه بعض الليل.. و عندما أراد الرجل النوم.. قال له أحمد إنه يريد منه ثلاثة جمالٍ يُعوض بها جمله و جملي مرافقيه.. فأختار له ثلاثة جمال استطاعت أن تصمد على سير الليل و النهار لمدة أربعة أيام متتالية حتى التحقت بالإبل في منطقة تكِبه المذكورة...
و حدثنا أستاذنا المرحوم جمال ولد الحسن أنه لاحظ أن الشعراء الجاهليين كانوا يحدثون عن امتطائهم للناقة دون الجمل.. و أنه أراد أن يُقحم وصف الجمل في الشعر الموريتاني و لكنه ".. وجد كثيرا من العناء في ذلك".. 
و يذكر مؤرخو الأدب أن الشاعر الجاهلي طرفة بن العبد البكري قال عندما سمع قول اله المتلمس:
و قد أتناسى الهم عند احتضاره ~~ بناج عليه الصيعرية مكدم.. قال طرفة:" استنوق الجملُ..." و قال طرفة بعد ذلك:
و قد أتناسى الهم عند احتضاره~~ بعوجاء مرقالٍ تروح و تغتدي..
و كلمة طرفة فيها توقف عند وصف الجمل بالصيعرية إذ يرى أنها صفة للناقة و ليست للجمل..
و السواد، أيضا، هو قُرى تابعة لمدينة مُعينة أو ريف تابع لها.. فكانوا يقولون، قديما، هي قرية من سواد العراق أو سواد ُخراسان.. كما في معجم البلدان للبلاذري.. و البلاذري هو أحمد بن يحي بن جابر البلاذري، توفي سنة 279 للهجرة..
و السواد من الأرض هو الأراضي الزراعية.. لأنها، في الغالب، ذات تربة طينية.. و هذه تعتبر الأنسب لزراعة الحبوب عموما..
و الطين ورد في القرآن بهذا الاسم كما ورد باسم الحمإ.. و منه " العين الحميئة" التي رأى ذو القرنين الشمس تغرب فيها...
و قال  المستكشف الفرنسي جاك إيف كوستو 1910 ـ 1997  في مذكراته إنه رأى الشمس في القطب الجنوبي و كأنها تغرب في بئرٍ من الطين...
و المُسود في القوم هو سيدهم.. و كان المستعمر قد اختار شيوخا للقبائل سموا ب" السيفات" و هي من كلمة        الفرنسية أي الشِيخ.. و كان هؤلاء يتولون جباية الضرائب على قبائلهم و تسديدها للمستعمر.. و كانوا يشرفون على دفتر القبيلة و من ينضم إليها.. و قد جرب الفرنسيون هذه الصيغة من الحكم في عموم مستعمراتهم في إفريقيا.. خاصة الدول التي تخضع لنظام أميري.. مثل موريتانيا.. و هكذا صار هنالك شيخ لكل بطن و شيخ للعامة و شيخ للشيوخ.. و سموه " أمجار".

                                                                                                        يتواصل...

ليست هناك تعليقات: