ثم ركبت إلى جانب السائق الذى ارتعش بقوة لدرجة أنه لم يتمكن من تشغيل المحرك رغم ما أحدثته رزمة مفاتيحه من ضوضاء، ولذا طلبت منه أن يهدأ. واستطاع فى النهاية أن يشغل المحرك وينطلق. وكان الملازم الأول المختار يجلس خلفى ومعه جنديان. أما الملازم الأول مولاي فكان أمامنا فى سيارة لاندروفير تتقدم الركب. وتبعتنا مجموعة من سيارات لاندروفير. وقد سارت القافلة عدة كيلومترات على طريق الأمل قبل أن تحول اتجاهها إلى مقر الهندسة العسكرية المعروف اختصارًا ب"جيني". وفى الطريق انحنى الملازم الأول المختار نحوي قائلا فى أدب وتأثر باد من الصوت: " السيد الرئيس اطمئنوا فلن يصيبكم أي مكروه". فأجبت قائلا: " لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا".
ولاحظت فور وصولنا "جيني"، الواقعة وقتها على بعد بضعة كيلومترات جنوب شرقي نواكشوط، وجود كثير من الجنود فى حالة تأهب عند بوابة المعسكر وحول كتلة البيوت حيث يوجد المكتب الذى آواني قرابة ساعتين، وهو على ما يبدو مكتب قائد المعسكر. وقد بقيت فى هذا المكتب وحيدا جالسا على كرسي أشعر براحة بال تامة منذ البداية.
ويحرس المكتب جنديان ملثمان يقفان طورا ويمشيان طورًا آخر أمام الباب. وعند بزوغ الفجر طلبت وَضوء، فأحضره أحد الجنود فى إناء ومعه حوض بلاستيكي ومنشفة. ثم قدم لى غطاء نظيفا يحل محل سجادة للصلاة. وبعد أن أديت الصلاة، اقترح علي بالإيماء أن أستريح على سرير من أسرة المعسكر وضع فى زاوية من المكتب. والغريب أن هذا الجندي المهذب فى سلوكه لم يسألنى ولم يجبنى إلا بالإشارة، فلماذا؟ لا أدرى. وعلى كل فقد أجبته نطقا أنى لا أرغب فى الاضجاع، ولا أشعر بالنصب. ولذا أفضل البقاء جالسا فى الكرسي أفكر فى هشاشة كل ما هو بشري وضعفه…
وفى حدود الساعة الثامنة وقفت أمام المكتب شاحنة صغيرة مغطاة من طراز 404 أو405 وطلب منى أحد حارسي المكتب فى أدب، وبأسلوب الإشارة دائما، أن أخرج من المكتب واستقل السيارة. وهكذا جلست بجنب السائق الذى كان ملثما هو الآخر. وفى الخلف ملازم أول شاب وعدد من الجنود المسلحين. وقد لاحظت أثناء عبورنا لجزء من المعسكر أن وضعية الجنود لم تعد على ما كانت عليه إبان وصولنا. وتوقفت السيارة أمام فيلا زينت بعض أجزائها أزهار نبات الجهنمية. وكان ينتشر من حولها العديد من الجنود المسلحين.
وأمام هذه الفيلا، استقبلنى قائد المعسكر النقيب آتيى بأدب وأدى لى خلسة تحية عسكرية لا إرادية، فيما يبدو، على غرار ما وقع للملازم الأول مولاي.
أما ما يتعلق بسلوك العسكريين تجاهى خلال فترة اعتقالي (من 10 يوليو 1978 إلى 2 أكتوبر 1979)، فالحق أقول إننى لم أتعرض فى أي لحظة لأدنى تصرف غير لائق من حراسى فى السجن. فلم يخطئ فى حقى أي عسكري، ضابطا كان أو ضابط صف أو جنديا، بل إنهم على العكس من ذلك عاملونى بإجلال. فقد ظل كل واحد منهم يبرهن حسب أسلوبه ودرجة تحضره على ما يكنه لى من احترام.
من مذكرات أب الأمة الراحل المختار ولد داداه
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق